
كتب: مليح يعقوب حماد
باحث في إدارة التنوع
تُعتبر رقصة “المردوم” الأيقونة الإيقاعية الأبرز، والمُعبر الأنثروبولوجي الأعمق عن قبائل “البقارة”، الذين تتفاوت مجموعاتهم ما بين 43 إلى 44 مجموعة؛ لكل منها خصوصيتها الإيقاعية والنغمية التي تتمايز وفقاً لدرجة التباعد الجغرافي أو التماس الحضاري مع الجوار الإفريقي. ويُصنّف المردوم موروثاً ثقافياً واستثنائياً، انتقل مشافهةً عبر الأجيال، ليتجاوز أسوار القبيلة ويغدو رقصةً قومية تُمثل “الكل السوداني”، ويتردد صداها في الوجدان الجمعي. لقد أثبت المردوم جدارته التاريخية وقدرته الفائقة على الاستمرارية؛ فرغم تقلبات الظعن، وهجرات النزوح، والكوارث، شهد الأداء في إقليم كردفان تطوراً مذهلاً، لا سيما لدى مجموعات البقارة (الحوازمة، المسيرية، والكنانة) والقبائل المجاورة.
الفلسفة الاجتماعية والأخلاقية:
إن جوهر أغنيات المردوم يكمن في “المنزع الأخلاقي”؛ فهي وسيلة تربوية وقيمية للنصح والإرشاد وتقويم السلوك عبر ثنائياتها البليغة المتمثلة في (المشكار والمعيار) و(المدح والذم) و(الغزل و الهجاء). وبينما يتجلى مظهرها الخارجي كضربٍ من الترويح عن النفس —وهو ما يعبّر عنه الفاعلون الثقافيون بقولهم: “ماشين على اللعب وجايين من اللعب”— إلا أنها في المتن تحث الشباب على قيم الكرم، الشجاعة، الفروسية، الحكمة، والثبات.
النشأة والتطور: هجين الثقافات
نشأ المردوم كخلاصة ثقافية “سودانوية” فريدة، تمازجت فيها الجذور الإفريقية بالروافد العربية؛ حيث ذابت سيمفونية الصحراء في أوتار الأرض، لتعلن “سودانيتها” المنبثقة من وجدان الغاب الإفريقي. وقد ابتكر البقارة رقصتهم من وحي بيئتهم، محاكين فيها “جكة التور” ورشاقة حركة الخيل؛ إذ تضرب جذور الإيقاع في عمق التربة الإفريقية، بينما استمد النغم واللغة نسغَهُما من الجزيرة العربية وبلاد الأندلس. تطور الغناء تاريخياً بدءاً من “الفنجفانج”، ثم تمرّحل إلى “المردوع”، وصولاً إلى “المردوم” بأسلوبه الجماعي(بنات وأولاد)؛ حيث تصطف الفتيات في شكل قوس نصف دائري أو خط مستقيم، يشاركن بالتصفيق والغناء، بينما يمر “الروق” (صف الصبيان) من أمامهن.
وفي غناء المردوم خفايا سيميائية عميقة؛ فإصرار “الحكّامات” على الوقوف باتجاه “القبلة” او الشرق (الصباح) في “الدارة” يحمل دلالتين: إحداهما “براغماتية” لتفادي أشعة الشمس، والأخرى “رمزية” تشير إلى الحنين لموطن الأجداد الأوائل. ولعل هذا التراكم التاريخي يفسر القواسم المشتركة بين إيقاع المردوم وموسيقى “الفلامنكو” الإسبانية، كأثر أندلسي غائر في الذاكرة.
مسرح الأداء وأدواته:
يُؤدى المردوم عادةً على أرض “نقعة” (قَرود) ذات تربة جافة وصلبة، لضمان جهارة الرنين الناتج عن ضرب الأرجل. ويستعين الراقصون بالعصي، و”أم كرتبو”، و”الفرار”، و”القرجة”، كما يستخدمون “ريش النعام” والعاج كأدوات للزينة. ولضبط الإيقاع، تُسخّر الأدوات البيئية مثل: الكشاكيش، المراكيب، الصافرات، وفن “الكرير” و”الحمبي”. وتتأنق الفتيات بالزي الشعبي والحلي التقليدية مثل: السكسك، التمايم، ريش النعام، الكشكوش، والودع، مع تطييب ضفائرهن بـ”التربلول”، واستخدام “الصفقة” كآلة إيقاعية محورية.
تنقسم الفتيات إلى “حكامات” و”شيّالات”، يؤدين مقاطع شعرية مقتضبة تُكرر بتناوب وانسجام (هارموني) مذهل، يتجلى فيه المقام الموسيقي السباعي. وفي ساحة اللعب، تذوب الفوارق الطبقية؛ فلا متفرج هناك، بل تفاعل جماعي تحت إشراف “الحبوبات” اللائي يقفن خلف الحكامات للتدقيق والتصويب.
التنافسية والتقنيات الحركية:
تتبارى مجموعات الشباب في “الدارة” بقيادة “رئيس” يضبط الإيقاع دون تقيّد ببطن أو “قبيلة” أو “خشم بيت” محدد. وعند بلوغ “الروق” منتصف القوس، تظهر مهارات “الخلفة” (Levary)؛ وهي مداخلات فنية فردية تُؤدى عكس حركة الروق، تُعرف بـ”توريد الكمشة” أو “شراب ألمي”، وهي الكفيلة بنيل الراقص “الشبّال”.
التباين الجمالي: بين المردوم “الثقيل” و”السريع” ينقسم المردوم إلى مدرستين أساسيتين تعكسان طبيعة النمط المعيشي:
المردوم “الثقيل”: ومن أشكاله (الكادر، الكرفاي، القانش، والرديف)، وينتشر عند قبائل الحوازمة وجيرانهم. ويتميز بالرصانة، القوة الجسمانية، والوضوح التام لمخارج الحروف. غناء الحكامات هنا هادئ وسماعي، يبتعد عن “الهمهمة” إلا للضرورة، وهو انعكاس لحالة الاستقرار النسبي في مسارات ومراحيل معروفة لدى قبائل البقارة في جنوب وشرق كردفان.
المردوم “السريع”: وينتشر عند المسيرية وجيرانهم؛ وهو “مسرح فلكلوري” متكامل يتسم بالخفة والرشاقة. تميل الحكامات هنا إلى “إدماج الحروف” (Slurring) نتيجة السرعة العالية، وهن الأبرع في فن “الهمهمة”؛ نظراً لطبيعة حياة البقارة في غرب كردفان، فهم الأكثر ترحالاً وسرعةً في “الختيت” و”النزل”.
ورغم هذا التباين الجمالي، تتطابق المجموعتان في الميزان الإيقاعي، والأزياء، والإكسسوارات، مما يعزّز فرص الأداء المشترك و التفاعل الراقص والتمازج الفني في المناسبات الوطنية والاجتماعية.
المردوم من المحلية إلى العالمية:
انتقل المردوم إلى مرحلة “الأغنية الحديثة” بفضل الرعيل الأول: كالفنان إبراهيم موسى أبا، عباس عبدو، والدكتور عبد القادر سالم؛ ثم الرعيل الثاني، كالفنان هاشم بابنوسة، سليمان أحمد عمر، وعلي الرهيد والراحلة شادن محمد حسين. وقد تكاتفت جهود هؤلاء المبدعين مع كوكبة من الشعراء والملحنين الأفذاذ الذين رفدوا هذا الفن بنصوص وألحان باذخة، نجحت في تطويق الإيقاع بمفردات البيئة وجماليات الحداثة؛ مما أحدث نقلةً نوعية جعلت المردوم يتجاوز المحلية ليصبح مدرسةً فنية قائمة بذاتها . فرض هذا التطور شروطاً إبداعية تتطلب توافق النص مع الإيقاع، وتعمق الشاعر في مفردات اللهجة الكردفانية.
ومع وصول المردوم إلى منصات عالمية وتغني فرق أجنبية به، يظل “المنهل الحقيقي” هو البوادي والفرقان؛ لذا تبرز الحاجة لرعاية هذا التراث على أرض الواقع لحمايته من التنميط. كما تقع على عاتق الموسيقيين مسؤولية استكشاف الأنماط المتجددة مثل “القانش” و”الرديف” وعدم الاكتفاء بالأطر التقليدية.
الخاتمة: المردوم وتجليات “السودانوية”
في الختام، يتجلّى “المردوم” كبنية ثقافية مركبة تتجاوز في دلالاتها الأطر الفلكلورية الضيقة، لتصبح تجسيداً حياً لمفهوم “السودانوية”؛ تلك الهوية التي لا تكتمل إلا بجدلية التمازج بين الروافد العربية والإفريقية. إن العبقرية الإيقاعية للمردوم تمثّل “عقداً اجتماعياً” غير مكتوب، يؤسس لوحدة الوجدان عبر التنوع. فهي هوية أدائية ممارسة، نجد فيها الأثر الأندلسي والجزيري ينسجم مع الروح الإفريقية دون إقصاء. سيبقى المردوم لغة تواصل عابرة للحدود، وثّقتها حناجر الحكامات والمبدعين، ليبقى هذا الإرث حياً ونابضاً بعبق الأرض وقوة التاريخ.

