
سودانا _ تقرير
تحولت حمى الضنك في السودان خلال السنوات الأخيرة إلى تهديد صحي متصاعد يثير قلق الأسر والسلطات الصحية على حد سواء في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والصحية التي خلفتها الحرب وضعف خدمات الإصحاح البيئي والرعاية الطبية في العديد من الولايات.
ومع تسجيل إصابات ووفيات جديدة في عدد من المناطق تتزايد المخاوف من أن يؤدي اقتراب موسم الخريف إلى موجة جديدة من انتشار المرض خاصة في الولايات التي تعاني هشاشة في البنية الصحية وارتفاع معدلات النزوح.
مأساة تتكرر
نقلا عن مصادر تحدثت لصحيفة (صوت الأمة) وفي أحد المنازل السودانية كانت أسرة الشابة سارة تتابع حالتها الصحية بقلق بعد إصابتها بحمى شديدة وآلام حادة في العظام والمفاصل وهي أعراض اعتقد أفراد الأسرة في البداية أنها لا تختلف كثيراً عن أمراض الحمى المنتشرة خلال هذه الفترة، لكن ما بدأ بأعراض اعتيادية سرعان ما تحول إلى مأساة إنسانية
وبعد أيام من المعاناة دخلت سارة في مرحلة حرجة نتيجة مضاعفات المرض لتنتهي رحلتها بوفاة مؤلمة أضافت اسماً جديداً إلى قائمة ضحايا حمى الضنك في السودان.
وتروي منى إحدى قريبات الضحية تفاصيل الأيام الأخيرة من حياة سارة مشيرة إلى أن الأعراض بدأت بحمى مرتفعة وآلام مبرحة في الجسم قبل أن يظهر طفح جلدي وتفقد المصابة قدرتها على تناول الطعام والشراب بسبب التقيؤ المستمر، وتضيف أن الأسرة اعتقدت أن الخطر قد زال عندما انخفضت درجة الحرارة بعد عدة أيام، غير أن ظهور نزيف اللثة والأنف شكّل مؤشراً خطيراً على تطور الحالة إلى ما يُعرف بحمى الضنك النزفية، الأمر الذي استدعى نقلها إلى المستشفى ثم إلى العناية المكثفة حيث فارقت الحياة لاحقاً نتيجة نزيف داخلي ومضاعفات تنفسية حادة.
أرقام تكشف حجم الأزمة
وتعكس قصة سارة واقعاً صحياً مقلقاً تشهده عدة ولايات سودانية حيث تشير تقارير طبية إلى تزايد الإصابات بحمى الضنك بالتزامن مع انتشار أمراض وبائية أخرى.
ووفقاً لمصادر طبية فقد سجلت محلية مروي بالولاية الشمالية نحو (159) حالة إصابة، بينما بلغت الإصابات في محلية الدبة خاصة وسط مخيمات النازحين حوالي (250)حالة فضلاً عن تسجيل أربع وفيات مرتبطة بالمرض.
ويرى مختصون أن هذه الأرقام قد لا تعكس الحجم الحقيقي للانتشار في ظل ضعف أنظمة الرصد الوبائي وصعوبة وصول العديد من المرضى إلى المرافق الصحية خصوصاً في المناطق النائية والمتأثرة بالحرب.
معاناة المرضى في المناطق الطرفية
ولا تقتصر تداعيات حمى الضنك على الحالات التي تنتهي بالوفاة، إذ يواجه المصابون رحلة شاقة مع المرض تمتد لأسابيع تترافق مع آلام حادة وإرهاق شديد يفقدهم القدرة على ممارسة حياتهم الطبيعية.
ووصف عبد الله الشيخ أحد سكان منطقة سوركتي بالولاية الشمالية تجربته مع المرض بأنها من أصعب المحطات الصحية التي مر بها خلال حياته، وقال إنه عانى من ارتفاع حاد في درجة الحرارة وصداع شديد وآلام في المفاصل والعضلات إضافة إلى حالة من الضعف استمرت لأكثر من عشرة أيام لأن تأخر التشخيص وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية فاقما من معاناته. وتكشف هذه الشهادات عن التحديات التي تواجه المرضى في المناطق الطرفية حيث تفتقر العديد من المراكز الصحية إلى الإمكانات اللازمة للتشخيص المبكر والتعامل مع الحالات الحرجة.
أزمة صحية مركبة
وتتزامن موجة انتشار حمى الضنك مع ارتفاع معدلات الإصابة بالملاريا وأمراض وبائية أخرى ما يضع النظام الصحي السوداني أمام ضغوط متزايدة في وقت تعاني فيه المؤسسات الصحية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وفي ولاية النيل الأبيض تجاوز عدد الإصابات بالملاريا ألف حالة فيما سُجلت نحو (125) إصابة بحمى الضنك بحسب إفادات طبية، وسط تحذيرات من اتساع رقعة انتشار الأمراض المنقولة بواسطة البعوض خلال الأشهر المقبلة.
ويربط خبراء الصحة العامة بين انتشار هذه الأمراض وتدهور البيئة الصحية الناتج عن تراكم النفايات وركود المياه وضعف حملات مكافحة النواقل، فضلاً عن الظروف الإنسانية المعقدة التي تعيشها مخيمات النزوح والتجمعات السكانية المكتظة.
مخاوف من الخريف
في المقابل تؤكد السلطات الصحة أن حملات المكافحة والتوعية التي نُفذت خلال الأشهر الماضية أسهمت في تقليص معدلات الإصابة بشكل ملحوظ.
وتشير إلى أن انخفاض كثافة البعوض خلال فصل الصيف ساعد في تراجع عدد الحالات إلى جانب تنفيذ برامج للتوعية المجتمعية وتدريب الكوادر الصحية وتعزيز أنشطة مكافحة النواقل في الولايات المتأثرة. غير أن هذا التراجع لا يلغي المخاوف من عودة المرض بقوة مع اقتراب موسم الخريف الذي يوفر بيئة مثالية لتكاثر البعوض الناقل للفيروس، خاصة في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالإصحاح البيئي وضعف الخدمات الأساسية.
ولا تزال ولايات الخرطوم والجزيرة ونهر النيل والشمالية والنيل الأبيض من بين المناطق التي تسجل إصابات متفرقة بالمرض ما يدفع السلطات الصحية إلى مواصلة عمليات الرصد والتدخل المبكر للحد من انتشار العدوى.
تحديات الحرب
ويؤكد مختصون أن الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام أسهمت بصورة مباشرة في تهيئة الظروف الملائمة لانتشار الأوبئة نتيجة تراجع الخدمات العامة وتدمير أجزاء من البنية التحتية الصحية وتعطل برامج الوقاية والمكافحة.
كما أدى النزوح الواسع للسكان إلى زيادة الضغط على الموارد الصحية المحدودة وخلق بيئات مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي وهي عوامل ترفع من احتمالات انتشار الأمراض المعدية.
معركة الوقاية
ويرى خبراء الصحة أن مواجهة حمى الضنك تبدأ من الوقاية عبر إزالة مصادر توالد البعوض وتحسين خدمات النظافة العامة وتكثيف حملات التوعية المجتمعية، إضافة إلى تعزيز قدرات المرافق الصحية على التشخيص المبكر والتعامل مع الحالات الحرجة.
وبين أرقام الإصابات وشهادات المرضى وتحذيرات الأطباء تبدو حمى الضنك اليوم واحدة من أبرز التحديات الصحية التي تواجه السودان فيما يظل نجاح جهود الاحتواء مرهوناً بقدرة السلطات والشركاء الصحيين والمجتمعات المحلية على التحرك السريع قبل أن يحول موسم الخريف المرض إلى أزمة أوسع نطاقاً.
نقلا عن صحيفة صوت- بتصرف

