الإدارات المدنية في دارفور .. شهادة من منصة التأسيس

كتب/ خالد أحمد دناع
ليست كل التجارب التي تمر بها الشعوب والدول تُقاس بمدى اكتمالها أو خلوّها من الأخطاء، فبعض التجارب تستمد أهميتها من الظروف الاستثنائية التي نشأت فيها، والتحديات التي واجهتها، والفراغات التي حاولت سدّها في لحظات بالغة التعقيد. ومن هذا المنطلق، أستحضر اليوم تجربة الإدارات المدنية ومجالس التأسيس المدني في ولايات دارفور، باعتبارها واحدة من التجارب الإدارية والمجتمعية التي تشرفت بأن أكون جزءاً من مراحل تأسيسها الأولى، ومقرراً للجنة التي تولّت وضع اللبنات الأساسية لبنائها وهياكلها التنظيمية.
لقد جاءت هذه التجربة في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها الواسعة، وما صاحبها من انهيار أو تعطل لكثير من مؤسسات الدولة، وغياب الخدمات الأساسية، واتساع الاحتياجات الإنسانية، وتراجع قدرة المؤسسات التقليدية على إدارة شؤون المواطنين. وفي ظل هذا الواقع، برزت الحاجة الملحّة إلى إيجاد هياكل إدارية ومدنية تتولى مسؤولية تنظيم الحياة العامة، وتسيير شؤون المجتمعات، والتعامل مع التحديات الأمنية والإنسانية والخدمية المتزايدة.
ومن هنا انطلقت فكرة تأسيس الإدارات المدنية في ولايات دارفور، إلى جانب مجالس التأسيس المدني بوصفها الأجسام ذات الاختصاص التشريعي والرقابي على مستوى الولايات، وفق الرؤية والهياكل التي وُضعت لتأسيس هذه التجربة.
لم يكن تأسيس الإدارات المدنية مجرد استحداث لهياكل إدارية جديدة، بل كان استجابة لضرورة واقعية فرضتها ظروف الحرب. فقد كان هناك فراغ إداري وأمني وإنساني كبير، وكانت المجتمعات في حاجة إلى أجسام قريبة منها، تستطيع الاستماع إلى قضاياها، والتعامل مع احتياجاتها اليومية، والمساهمة في تنظيم شؤونها وحل مشكلاتها.
لقد تحملت هذه الإدارات مسؤوليات جسيمة في ظروف لم تكن فيها البيئة مواتية للعمل المؤسسي، ولم تكن الموارد متاحة بالقدر المطلوب، كما لم تكن التحديات الأمنية والإنسانية تسمح دائماً بالعمل وفق الخطط والبرامج الموضوعة.
ومع ذلك، استطاعت الإدارات المدنية، بدرجات متفاوتة، أن تؤدي أدواراً مهمة في تنظيم الحياة العامة، وتقديم الخدمات المتاحة، والمساهمة في بسط الأمن والاستقرار المجتمعي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والتنسيق مع المبادرات المجتمعية والجهات ذات الصلة، فضلاً عن دورها في احتواء كثير من التوترات الاجتماعية والمحافظة على تماسك النسيج الاجتماعي في عدد من المناطق.
ولعل أهم ما ميّز هذه التجربة أنها لم تعتمد فقط على الهياكل الرسمية، وإنما استندت إلى حضور المجتمع وقياداته الأهلية والمدنية، وإلى التفاعل مع الواقع المحلي وخصوصية كل ولاية ومحلية ومجتمع.
وبكل موضوعية، لا يمكن الحديث عن تجربة الإدارات المدنية باعتبارها تجربة مكتملة أو خالية من القصور. فقد واجهتها تحديات حقيقية، وظهرت خلالها بعض الإخفاقات في الأداء الإداري، وتفاوتت مستويات تقديم الخدمات من منطقة إلى أخرى، كما تأثرت بعض المؤسسات بضعف الإمكانات، وتعقيدات الوضع الأمني، وحداثة التجربة، وتداخل الاختصاصات في بعض الأحيان.
لكن الإنصاف يقتضي أن تُقرأ هذه الإخفاقات في سياق الظروف التي نشأت فيها التجربة، لا بمعزل عنها. فالمقارنة العادلة لا تكون بين مؤسسات نشأت في بيئة مستقرة وأخرى حاولت العمل في ظل حرب مفتوحة، وشح في الموارد، وتحديات إنسانية وأمنية غير مسبوقة.
إن الاعتراف بالأخطاء لا ينتقص من قيمة التجربة، بل يمثل مدخلاً ضرورياً لتقييمها واستخلاص الدروس منها. كما أن توثيق ما تحقق من نجاحات، وما واجهته من صعوبات، ينبغي أن يكون جزءاً من الذاكرة المؤسسية والسياسية والاجتماعية لمرحلة ستظل بحاجة إلى دراسة وتقييم موضوعي.
ومن الوفاء لهذه التجربة أن نحيّي جميع الرفاق الذين أسهموا في وضع أسسها، وفي مقدمتهم قيادات المجلس الاستشاري للقائد العام لقوات الدعم السريع، وقيادات المجلس الأعلى للإدارات المدنية، وكل الذين شاركوا في صياغة رؤيتها وهياكلها ومتابعة تنفيذها.
كما نتوجه بالتحية والتقدير إلى قيادات المجتمع المدني والإدارات الأهلية، والقيادات العسكرية وقيادات قوات الدعم السريع، وقوات حماية المدنيين، والمبادرات المجتمعية، وكل الكوادر الإدارية والخدمية والشخصيات الوطنية التي ساهمت، كل من موقعه، في دعم هذه التجربة وإسنادها، وتحملت مسؤولياتها في ظروف بالغة الصعوبة.
لقد كانت هذه التجربة عملاً جماعياً، ولم تكن إنجازاً لشخص أو جهة بعينها، وإنما ثمرة جهود متعددة المستويات، تلاقت فيها المبادرات المجتمعية مع المسؤوليات الإدارية والأهلية والمدنية والعسكرية، في محاولة للاستجابة لاحتياجات الناس والمحافظة على استمرارية الحياة في ظل الحرب.
إن صدور المرسوم الرئاسي رقم (19) وحل الإدارات المدنية يمثلان محطة جديدة في مسار هذه التجربة، لكن حل الهياكل والمؤسسات لا يعني بالضرورة انتهاء قيمة ما راكمته من خبرات، ولا ينبغي أن يؤدي إلى إهدار الجهود التي بذلها آلاف الأشخاص في مختلف أنحاء دارفور.
فالمؤسسات قد تُحل، والهياكل قد تتغير، والقرارات السياسية والإدارية قد تفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة، لكن الخبرات المتراكمة والدروس المستفادة تظل ملكاً للمجتمع وللذاكرة المؤسسية، ويمكن البناء عليها في أي مشروع مستقبلي لإعادة تنظيم الإدارة والحكم المحلي.
ومن المهم أن تكون مراجعة هذه التجربة فرصة لتحديد ما نجح وما أخفق، وتطوير نماذج أكثر كفاءة في الإدارة المحلية، وتوضيح الاختصاصات، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ مبادئ المساءلة والشفافية، وضمان أن تكون المؤسسات أقرب إلى المواطنين وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجاتهم.
شخصياً، أعتز بأنني كنت جزءاً من هذه التجربة، وأنني تشرفت بالعمل مقرراً للجنة التي وضعت اللبنات الأولى لتأسيس الإدارات المدنية ومجالس التأسيس المدني في ولايات دارفور. وأعتبر هذه التجربة محطة مهمة في مسيرتي العملية والوطنية، لما حملته من مسؤوليات وتحديات، وما أتاحته من فرصة للاحتكاك المباشر بقضايا المجتمعات واحتياجاتها في واحدة من أصعب مراحل تاريخ السودان المعاصر.
التحية لكل من حمل مسؤولية هذه التجربة، ولكل من عمل وأخلص واجتهد في خدمة مجتمعه، ولكل من وضع جهده ووقته وإمكاناته في سبيل سد الفراغات التي فرضتها الحرب.
وستظل تجربة الإدارات المدنية في دارفور جزءاً من تاريخ مرحلة استثنائية، تستحق أن تُروى بموضوعية، وأن تُدرس بإنصاف، وأن تُحفظ دروسها للأجيال القادمة.