أقلام سودانية

الواجب المباشر.. للقوى الوطنية!!

كتب – د. عمر القراي

“هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ”صدق الله العظيم

في زيارته الأخيرة لروسيا، عرض البرهان، رئيس حكومة الأمر الواقع، الوطن للبيع، مقابل مساعدة من روسيا، تمكنه من الاستمرار في الحكم. فقال إن السودان، مستعد لمنح روسيا مواقع للاستثمار، في استخراج الذهب، والنحاس، ومعادن أخرى. وإنشاء منطقة اقتصادية حرة، على البحر الأحمر، تستفيد منها روسيا، لإقامة منشآت لتخزين الوقود والقمح، كما يمكن أن تشارك روسيا، في تطوير البنية التحتية، لشبكة السكة حديد في السودان، والتي يمكن أن تمتد حتى تشاد، وأفريقيا الوسطى!!

ولقد لجأ البرهان، إلى هذا الاستجداء الرخيص، لأنه يواجه ضغوطاً من أمريكا، والدول الأوروبية، تسعى إلى إجباره على إيقاف الحرب. وهو يعلم أن ذلك يعني زوال حكمه، ومجيء حكومة مدنية، ستطارده، لتعاقبه على جرائمه الفظيعة، كما ستعاقب جماعته، جماعة الإخوان المسلمين، التي ظلت تشاركه في تقتيل المواطنين، والناشطين السياسيين، منذ سقوط نظام البشير، وحتى اليوم. ولقد جرب البشير، قبله، هذا الانكسار لروسيا، فذهب إليها في يوليو 2018م، وطلب من بوتين أن يحميه من أمريكا، ولم يمنعه ذلك من السقوط، والذهاب غير مأسوف عليه، وإذ يكرر البرهان نفس الفعل، هل يتوقع نتيجة مختلفة؟! على أن السؤال الذي يجب التركيز عليه هو: من الذي أعطى البرهان الحق، في بيع أراضي السودان، وما يوجد بداخلها من ثروات، هي ملك للشعب السوداني، وأجياله القادمة؟ من الذي أعطاه حق بيع المواقع الاستراتيجية على البحر الأحمر، لتتخذها روسيا مخازن للوقود؟! إن المعايير الدولية، وفي مقدمتها إعلان الأمم المتحدة، بشأن حق الشعوب في المشاركة في القرارات المصيرية، وعدم انفراد رئيس الدولة بها، تمنع الرئيس، المنتخب، من التصرف، قبل الرجوع إلى شعبه، أو إقامة الاستفتاء، فما بالك برئيس غير شرعي، لأنه اغتصب السلطة، عن طريق الانقلاب العسكري، كما فعل البرهان في 25 أكتوبر 2021م؟! وإذا كانت هذه الصفقات الخائنة، والتي يتم على أساسها بيع الوطن، وحقوق أهله، في ظاهر الأرض وباطنها، يعلن عنها بهذه الصورة، فما هي الاتفاقيات السرية، غير المعلنة، وماذا باع البرهان فيها؟!

وليست هذه أول مرة، يبيع فيها البرهان أراضي سودانية. فقد جاء في خطاب، صادر عن مجلس السيادة، في 7 أبريل 2025م، صُوِّر، ونُشر، على وسائل التواصل الاجتماعي (وجه السيد فخامة رئيس مجلس السيادة الانتقالي ببيع أراضي زراعية بولاية نهر النيل بمساحة مليون فدان لجمهورية مصر العربية للاستثمار الزراعي والذي ستستفيد منه الدولتان. يكون البيع كإيجار لتلك الأراضي لمدة 99 سنة للحكومة المصرية)!!

إن الصمت على بيع تلك الأراضي، أدى إلى تمادي البرهان، لبيع المزيد للروس. ويمكن أن يبيع لغيرهم، وغيرهم، حتى لا يبقى هناك وطن. ولابد من إيقاف البرهان، من العبث بأرض الوطن، بعد أن قتل أهله، وشردهم، بين اللجوء، والنزوح، والاغتراب.

نقصد بالقوى الوطنية، كل الأحزاب، والتكتلات، والمجموعات، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية المستقلة، التي تبنت شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، ورفضت انقلاب البرهان، كما رفضت حكومة البشير من قبل، وأسقطتها. وهي تطالب، الآن، بوقف الحرب، وتكوين حكومة مدنية ديمقراطية. وهذه القوى الوطنية، الممثلة اليوم في “صمود” و”تأسيس” و”قوى إعلان المبادئ”، قد جمعت معظم السودانيين الوطنيين المشغولين بهموم الوطن .

والواجب المباشر، هو ما ينبغي أن نقوم به الآن. فهناك واجبات كثيرة، فإذا رتبنا واجباتنا، فإن ألح هذه الواجبات، وأولاها بالتنفيذ، هو ما يسمى “الواجب المباشر”. فما هو الواجب المباشر، للقوى الوطنية، اليوم؟!

الواجب المباشر للقوى الوطنية، هو كشف ما يفعل البرهان، وتحميل العالم مسؤوليته إزاءه. وذلك بالحديث عنه، في أي لقاء مع الرباعية، أو الخماسية، أو منظمات إقليمية، أو دولية، أو الأمم المتحدة، أو حكومات غربية، أو منصات إعلامية إقليمية ودولية، وترك مذكرة مكتوبة، لدى أي جهة يقابلونها. والمواضيع التي يجب إثارتها هي:

1- تأكيد عدم شرعية حكومة البرهان، ومن ثم عدم شرعية أي صفقات تعقدها، بشأن بيع أراضٍ زراعية، أو مناجم ذهب، أو مربعات يتم فيها التعدين، بواسطة أجانب، أو مواقع استراتيجية على البحر الأحمر، أو قواعد عسكرية، أو أسلحة وذخائر. فالسودان ليس ملكاً للبرهان، والتصرف في موارده، وثروات أجياله القادمة، دون تفويض باستفتاء للشعب، عبث بمقدرات الشعب. ولذلك نود أن ننبه كل طامع، أن مجرد زوال نظام البرهان، يعني إبطال كافة صفقاته الجائرة، ومعاملاته المريبة.

2- تواطؤ حكومة البرهان، مع الحكومة المصرية، في قتل مواطنين سودانيين، داخل السودان. فقد ضرب الطيران المصري في 16 يونيو 2026م، وفي 10 أكتوبر 2026م، مواطنين سودانيين، وقتل منهم ما يزيد على المئتي شخص، في منطقة جبل عقيدات، داخل السودان بحوالي 20 كيلومتراً. ولقد صدقت حكومة البرهان الادعاء المصري، بأن هؤلاء المنقبين عن الذهب، دخلوا في الحدود المصرية. وهو ادعاء باطل، بحسب صور الأقمار الصناعية. ولكنه حتى لو كان صحيحاً، فهل كل من يدخل حدود دولة أخرى، يُضرب بالرصاص أم يجب أن يُعتقل، ويُحقق معه، ويحاكم أو يُعاد إلى بلده؟! إن ما قام به نظام السيسي، يعتبر جريمة حرب، وتواطؤ نظام البرهان معه فيها، لا يجعله مؤهلاً، في أي مستوى، أن يحكم السودانيين.

3- استخدمت حكومة البرهان، بحسب ما أكدته الولايات المتحدة الأمريكية، السلاح الكيميائي المحرم دولياً، أثناء الحرب الدائرة الآن، مما يعد خرقاً للقوانين الدولية. ولقد أكدت الولايات المتحدة الأمريكية، في قرار رسمي صدر عام 2025م، أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024م، وفرضت عليها عقوبات بسبب ذلك. كما أثيرت هذه الاتهامات أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وطالبت الولايات المتحدة بإجراء تحقيق دولي مستقل، للتحقق منها، بينما ظلت حكومة البرهان تنفي هذه الاتهامات.

ومهما تكن مبررات إعلام حكومة البرهان، وإنكاره لهذه الاتهامات، فإن هناك تسجيلات فيديو للبرهان وياسر العطا، يتحدثان فيها عن استخدام سلاح مميت، فُسرت تصريحاتهما بأنها إشارة إلى الأسلحة الكيميائية. كما ظهرت صور لجنود من الجيش، يرتدون البدل الواقية، وتسجيلات فيديو لمدنيين ظهرت عليهم إصابات وتشوهات جلدية، قيل إنها أعقبت قصف مناطقهم بواسطة الطيران الحكومي. ولقد عززت هذه الشبهات تحقيقات صحفية حديثة، كشفت عن وثائق وتسجيلات وشهادات تشير إلى احتمال استخدام أسلحة كيميائية في السودان، وإن كانت هذه الأدلة لا تزال بحاجة إلى تحقيق فني دولي مستقل، يحدد طبيعة المواد المستخدمة، والمسؤولين عن استخدامها.

4- لقد أشعلت حكومة البرهان الحرب، ولا زالت مصرة على استمرارها، إذ رفضت كافة مبادرات التفاوض، التي قبلها الدعم السريع، كما رفضت الهدنة. وكان من نتائج الحرب الكارثية، موت آلاف المواطنين، وتشريد، ونزوح، ولجوء الملايين من السودانيين. ولقد أدى تدمير البنية التحتية، وتوقف العمل والإنتاج، وعدم صرف الحكومة للمرتبات، إلى حدوث مجاعة، تحتاج إلى إغاثة عاجلة. ولكن حكومة البرهان نفت وجود المجاعة، التي عكستها تقارير كافة المنظمات الدولية، ذات الصلة. جاء في بيان وزارة الخارجية السودانية (تؤكد حكومة السودان أن الوضع الغذائي في البلاد مطمئن وأن المخزون الاستراتيجي والعمليات الزراعية الجارية الآن ستوفر احتياجات البلاد الغذائية وتحقق قدراً عالياً من الاستقرار للمجتمعات المحلية في أطراف السودان المختلفة بما يدحض مزاعم حدوث مجاعة في البلاد)!! نحن أمام حكومة مجرمة، ترى شعبها يموت جوعاً، وتنكر ذلك، حتى يجوز ادعاءها، بأنها منتصرة في الحرب، ومسيطرة على الأوضاع الاقتصادية. إننا نريد من الأمم المتحدة، أن تتدخل لتوصيل الغوث لهؤلاء الجوعى، رغماً عن حكومة البرهان، وجيش الحركة الإسلامية، الذي لا يرى بأساً في أن يموت كل الناس، ما داموا غير منتمين لفكره الإرهابي.

هذه النقاط يمكن أن تصيغها “صمود”، أو “تأسيس”، أو “قوى إعلان المبادئ”، بالطريقة التي تراها، ما دامت تعكس المحتوى. ويجب جعلها مقدمة الحديث في أي اجتماع، مع منظمات، أو مؤسسات، أو كيانات إقليمية، ودولية، ثم تسليمها مكتوبة عقب كل اجتماع. كما يجب أن يروّج لها، الإعلام الوطني المخلص، حتى تصبح في نظر المراقبين الدوليين، أموراً بديهية، واضحة. ويجب أن نترك خلافاتنا وراء ظهورنا، وننهض من جديد، بصورة جديدة، تحقق أماني، وتطلعات شعبنا الذي طال انتظاره.

 

5 نوفمبر 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى