الحلقة العاشرة والأخيرة
كارتيلات السياسة وتجريف العمل المدني، حين يتحول الحارس إلى أداة للهيمنة
بقلم أ/ آدم راشد
مقدمة الختام
بعد تسع حلقات، وصلنا إلى المحطة الأخيرة. رحلة طويلة بدأت من الأغورا الأثينية، ومرت بالعقد الاجتماعي وتوكفيل وغرامشي وهابرماس، ثم انتقلت إلى السودان: من الخلوة والمسيد إلى مؤتمر الخريجين، ومن النقابات العمالية إلى لجان المقاومة، ومن نداء السودان إلى ثورة ديسمبر، ومن فض الاعتصام إلى غرف الطوارئ. رأينا كيف وُلد المجتمع المدني السوداني، وكيف ناضل، وكيف انتصر، وكيف أُخفق، وكيف نجا من القمع، وكيف انزلق إلى المحاصصة.
لكن الحكاية لم تنته بعد. فبينما كانت الحرب تدمر ما تبقى من الدولة، كان هناك تجريف آخر، أكثر صمتًا وأشد فتكًا، يستهدف الضمير المدني للبلاد. هذا التجريف لا تقصفه المدافع، ولا تحرقه القنابل، بل ينخر في النسيج من
الداخل، ويحول المجتمع المدني من حارس للحقوق إلى أداة للهيمنة والاستقطاب وهذه هي موضوع حلقتنا الأخيرة، التي نختم بها السلسلة.
رحلة في تسع حلقات: خلاصة المسيرة
قبل أن ندخل في صلب الموضوع، لا بد من وقفة قصيرة نستعرض فيها ما تعلمناه عبر هذه السلسلة. في الحلقة الأولى، وضعنا الأساس النظري: ما هو المجتمع المدني؟ وكيف أطّر الفلاسفة شرعيته من الأغورا إلى العقد الاجتماعي؟ وفي الحلقة الثانية، تتبعنا تطوره في العالم، من ميلاده الحديث في القرن الثامن عشر إلى مرحلته الرقمية في الألفية الثالثة. وفي الحلقة الثالثة، دخلنا إلى السودان، من المؤسسات التقليدية قبل 1821 إلى الميلاد الحديث في عهد الحكم الثنائي. وفي الحلقة الرابعة، رأينا كيف انخرط المجتمع المدني في السياسة بعد الاستقلال، وكيف قاد انتفاضتين، وكيف أخفق في ترجمة انتصاراته إلى ديمقراطية مستقرة. وفي الحلقة الخامسة، واجهنا القمع الممنهج في عهد البشير، وكيف بنى المجتمع المدني نفسه في الظل، وتعرفنا على أبرز مفكريه: عبد الرحيم بلال، وحسن عبد العاطي، وحيدر إبراهيم علي، وعطا البطحاني. وفي الحلقة السادسة، تتبعنا تجربة نداء السودان، تلك اللحظة الموعودة التي لم تكتمل. وفي الحلقة السابعة، رأينا ظهور تجمع المهنيين ولجان المقاومة، ثم الانزلاق إلى الكوتة والمحاصصة، وسمعنا صرخة الأستاذ الصادق علي حسن محذرًا من فقدان “الكلب الحارس” أثاره، وفي الحلقة الثامنة، عشنا ثورة ديسمبر بكل تفاصيلها، من الشرارة إلى الاتفاق السياسي، بين الإنجازات والإخفاقات. وفي الحلقة التاسعة، واجهنا الحرب وغرف الطوارئ، ورأينا كيف تحول المجتمع المدني إلى خط الدفاع الأخير، هذه هي المسيرة. لكن في نهايتها، نجد أنفسنا أمام سؤال مصيري.
هل ما زال لدينا مجتمع مدني حقيقي؟ أم أننا أمام “شركات احتكارية” تدار بمنطق الكارتيلات؟
كارتيلات السياسة: حين تتحول المنظمات إلى شركات نفوذ، في عالم الاقتصاد، يُعرف “الكارتيل” بأنه تحالف احتكاري بين شركات كبرى تتفق سرًا أو علنًا على تقاسم الأسواق، والسيطرة على الأسعار، وسحق المنافسين الصغار لمنع ظهور أي منافسة حرة. وللأسف الشديد، انتقلت هذه العدوى البغيضة إلى حقل العمل المدني السوداني، فبدلًا من أن تكون المنظمات المدنية فضاءات مفتوحة للعمل التطوعي، ومنصات مستقلة للمناصرة والرقابة، تحولت بعضها إلى كارتيلات مدنية تحالفات مغلقة تتقاسم التمويل الدولي، والمقاعد في الوفود التفاوضية، والحصص في المناصب وهي لا تختلف كثيرًا عن الكارتيلات الاقتصادية: تتفق على تقاسم “السوق” المدني، المنافسين الصغار، وتمنع ظهور أي صوت مستقل.
وهذا الانحراف لم يحدث بين ليلة وضحاها، ولا يمكن اختزاله في لحظة واحدة. فالحقيقة أن مبادرة المجتمع المدني بدأت قبل توقيع “نداء السودان” في أديس أبابا في نوفمبر 2014. صحيح أن الناس سمعوا بها على نطاق واسع مع حدث التوقيع على النداء، لكنها في جوهرها انطلقت قبل ذلك، وكانت تنتهج في بداياتها توجيهًا سليمًا، يقوم على استقلالية العمل المدني وحراسة الحقوق بعيدًا عن الاصطفاف الحزبي.
غير أن هذه المبادرة دبّت فيها الخلافات لاحقا، وبدأت تتشقق مع تصاعد الأحداث، خاصة إبان اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة عام 2018. وفي خضم تلك الفترة الحرجة، ظهرت قوى المجتمع المدني التي ضمّت منظمات وشخصيات من خارج المبادرة، بعضها ادّعى أنه ليس جزءًا من مبادرة المجتمع المدني القائمة آنذاك، وبعضها سعى إلى تقديم نفسه كبديل عنها.
وفي خضم هذا التدافع، برزت قوى المجتمع المدني بقوة، وادّعت أنها الممثلة لكافة المجتمع المدني، لتصبح أحد المكونات الرئيسة في “قوى الحرية والتغيير”، وعندئذ دخلت في المحظور تحولت من موقع الرقابة والاستقلالية إلى لاعب اساسي في تقسيم السلطة عبر المحاصصات والكوتات، وتقاسمت المناصب الوزارية والسيادية والتشريعية التي لم يتم تكوينها في التسعين يوما ولاحتى بعد، وتوالت الانحرافات بعد ذلك، لتصل إلى تاريخ اندلاع حرب 15/ ابريل وما بعدها، بل وتوالت الانحرافات بعد ذلك، لتصل إلى منصة المجتمع المدني في كمبالا 2026، التي سارت في طريق الغي، وادّعت لنفسها ما ليس لغيرها، وكررت الفخ ذاته: إعلان نسبة المشاركة في العمليات السياسية القادمة قبل الاتفاق على المبادئ، وتشكيل نفسها بصورة أقرب إلى الإقصاء، وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة أشد بؤسًا.
ما جرى في كمبالا: مرآة الانحراف وتكرار الفخ
وما تشهده الساحة اليوم، وتحديداً ما جرى مؤخراً في مدينة كمبالا من ممارسات إقصائية، وتشرذمٍ مقيت، وصراعاتٍ تكاد تكون أشد خطراً وفتكاً من الحرب العسكرية نفسها — من بذر للفتن، ونشر لخطاب الكراهية، وتأجج الأحقاد — يضعنا أمام سؤال مصري ومرعب هل ما زال لدينا “مجتمع مدني” حقيقي، م أننا أمام “شركات احتكارية” تدار بمنطق الكارتيلات الاقتصادية؟ فبدلاً من أن تنتظم قوى المجتمع المدني في جبهة واسعة ومستقلة للضغط من أجل وقف الحرب العبثية وحماية المدنيين، نراها منقسمة متشرذمة، ترتهن لهذا الطرف العسكري أو ذاك، وتتبنى استقطابات سياسية وجهوية ضيقة أفرغت العمل الأهلي والمدني من مضمونه الأخلاقي والإنساني. إن هذا التشظي لم يعد مجرد خلاف في وجهات النظر، بل أصبح مأساة وطنية عميقة تُعمق جراح السودان، وتترك ملايين النازحين والضحايا بلا سند حقيقي يدافع عن حقوقهم بعيداً عن أجندات جنرالات الحرب وصراعات النخب على السلطة، وهكذا، تصبح كمبالا مرآة لا تعكس فقط صورة المجتمع المدني في اللحظة الراهنة، تشرذم واستقطاب وبذر للفتن بل تنذر بمستقبل مجهول.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فما جرى في كمبالا لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان صورة مصغرة لتكرار الفخ ذاته. فبينما كانت مبادرة المجتمع المدني 2014 التي وُلدت متزامنة تقريبا مع “نداء السودان” وانتخبت الراحل الدكتور. أمين مكي مدني رئيسًا لها في يناير 2017 — وكان له دورا هاما واساسيا في قيادة وتوجيه هذه المبادرة، ولكن قد انحرفت فيما بعد إلى طرف في المحاصصة والكوتات السياسية، وإلى ممارسات إقصائية أفرغت العمل المدني من مضمونه، نجد أن منصة المجتمع المدني الديمقراطي، التي أعلنت عن نفسها في يناير 2026، انها تتكون من أكثر مائة جسم، ولا ندري أهي امتداد لمبادرة المجتمع المدني تلك؟ ام امتداد لقوى المجتمع المدني احد مكونات تحالف “قوى الحرية والتغيير” ام هي بديلا عنها؟ وعلى كل حال تكرر الخطأ ذاته حين تعلن عن نسبة مشاركتها في العمليات السياسية القادمة، وكأنها تتفاوض مسبقًا على حصتها قبل أن تتفاوض على مبادئها، وهذا الانحراف ليس مجرد سوء تقدير تكتيكي، بل هو انحراف بنيوي يعيد إنتاج المنطق ذاته: منطق الكوتة الذي ندد به زميلي الاستاذ الصادق وقتذاك وهنا اتفق معه تماما وكأنما لتاريخ يعيد نفسه بصورة أشد قتامة.
جرس الإنذار المبكر: صرخة الأستاذ الصادق علي حسن
في خضم هذا الانزراف الخطير، وكراصد واعٍ ومخلص لتقاليد النضال الحقوقي المدني، انبرى الزميل الأستاذ الصادق علي حسن ليكتب سلسلة مقالات جريئة ومنددة بالخصوص، لقد حذر مبكراً من هذا الانحراف المدمر، مؤكداً أن ارتماء المجتمع المدني في أحضان المحاصصات السياسية يفقد “كلبه الحارس” أثاره، ويفقد المنظمات مصداقيتها أمام الشارع والضحايا.
لقد أشار الأستاذ الصادق بوعي ثاقب إلى أن تخلّي المجتمع المدني عن دوره الرقابي المستقل يفتح الباب على مصراعيه أمام الفساد السياسي، ويفرغ العمل المدني من محتواه الحقيقي، محذراً من أن الأجسام التي تلهث خلف السلطة تصبح عاجزةً تماماً عن حماية الحريات العامة أو إنصاف المظلومين حين تقع الواقعة. وتلك صرخة لا تزال تتردد في أذاننا، ونحن نرى ما آل إليه الحال.
ما الذي ينبغي عمله؟ نحو رؤية تأسيسية لمجتمع مدني معافى
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب منا وقفة نقدية شجاعة تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. إن بناء مجتمع مدني مستقل، معافى من التشرذم والاستقطابات والانقسامات، وبعيد تماماً عن لعنة المحاصصات السياسية، هو الشرط الإلزامي الأول لإنقاذ السودان.
يجب أن يستعيد المجتمع المدني استقلاليته، وأن يعود إلى حصنه الحصين: الوقوف إلى جانب الشعب، حراسة العدالة، والرقابة على السلطة. لا محاصصة، لا كوتة، لا ارتهان لأي طرف. ويجب أن يتجاوز انقساماته بين المركز والهامش، بين المدني والعسكري، وأن يبني تحالفًا واسعًا وقائما على وحدة الأهداف للضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين والعدالة الانتقالية. ويجب أن يدعم غرف الطوارئ والمبادرات القاعدية، وأن يعزز قدراتها في التخطيط والتنظيم والتمويل، لتصبح بنية تحتية دائمة للمجتمع المدني. ويجب أن ينتقل من العمل الظرفي إلى المؤسسية، وأن يبني قدرات مالية وإدارية تقلل الاعتماد على التمويل الخارجي، وتعزز الاستدامة. ويجب أن يوثق الانتهاكات، وأن يحفظ الذاكرة، وأن يضغط من أجل المحاسبة، لا أن ينتظر الاتفاقات السياسية التي قد تتجاهل الضحايا.
وغرف الاستجابة للطوارئ ليست مجرد استجابة مؤقتة للأزمة. إنها نموذج جديد للمجتمع المدني السوداني: لامركزي، قاعدي، قائم على الثقة والتضامن. وقد وصفها الباحثون بأنها” أحد أهم التجارب في العمل المدني والسياسي الاعنفي في جنوب العالم المعاصر” من حيث الفلسفة والحوكمة، وهي لا تتفاعل فقط مع الأحداث، بل تنتج عوالم سياسية، وبيئات بديلة قائمة على المدنية، والسيادة الشعبية، والعدالة الاقتصادية. وإذا تمكنت هذه الغرف من الحفاظ على طابعها المدني، وتجنب الانخراط في الصراع المسلح، فإنها ستصبح نواة لمجتمع مدني جديد، أكثر استقلالية وتجذرًا وقدرة على الصمود.
خاتمة السلسلة: دروس من رحلة ثلاثة آلاف عام
وصلنا إلى نهاية هذه السلسلة الطويلة، التي بدأت من الأغورا الأثينية، ومرت بـالعقد الاجتماعي، وتوكفيل، و وغرامشي، وهابرماس، ثم انتقلت إلى السودان من الخلوة والمسيد إلى مؤتمر الخريجين، ومن النقابات العمالية الى لجان المقاومة، ومن نداء السودان إلى ثورة ديسمبر، ومن فض الاعتصام إلى الحرب وغرف الطوارئ, ما الدروس التي نستخلصها من هذه الرحلة؟
أولًا: المجتمع المدني قوة لا تُقهر:ىرغم القمع، ورغم الحرب، ورغم الانقسامات، ظل المجتمع المدني السوداني قادرًا على التنظيم، والمقاومة، والبناء، لقد أثبت أنه لا يُقضى عليه، بل يتشكل من جديد في كل محنة.
ثانيا: الاستقلالية هي الحياة : كلما اقترب المجتمع المدني من السلطة، فقد بوصلته، وضعف دوره الرقابي، وخان شعبه، وكلما ابتعد عن السلطة، استعاد شرعيته، وقويت مصداقيته.
ثالثا: الوحدة ضرورة: الانقسامات بين المركز والهامش، بين المدني والعسكري، بين الأحزاب والمستقلين، أضعفت المجتمع المدني، وشتتت جهوده. والوحدة، رغم صعوبتها، هي الطريق الوحيد للتغيير الحقيقي.
رابعا: المرأة في القلب: لا يمكن فهم المجتمع المدني السوداني دون دور المرأة، من الاتحاد النسائي إلى لجان المقاومة، ومن مبادرة لا لقهر النساء إلى غرف الطوارئ. المرأة هي العمود الفقري لهذا الفضاء.
خامسًا، الأمل لا يموت
رغم كل شيء، رغم الحرب والدمار والمجاعة، لا يزال هناك 26,000 متطوع في غرف الطوارئ، يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين. لا يزال هناك أمل في سودان ديمقراطي، عادل، وسالم.
فالمجتمع المدني، في النهاية، ليس مجرد مؤسسات. إنه روح المجتمع وقدرته على الحلم، والتنظيم، والمقاومة، والبناء. وحيثما وُجدت هذه الروح، وُجد الأمل. وحيثما وُجد الأمل، وُجد التغيير.
لكن هذه الروح مهددة اليوم بالكارتيلات المدنية، وبالتجريف الممنهج، وبالاستقطاب الذي يحول الحارس إلى أداة.وإنقاذ هذه الروح يتطلب وعيًا نقديًا، وإرادة جماعية، واستعادة البوصلة فالمجتمع المدني الذي ينسى أنه ضمير المجتمع، يفقد شرعيته، ويصبح مجرد واجهة لمصالح ضيقة، قدعلمتنا رحلة ثلاثة آلاف عام أن المجتمع المدني لا يموت، لكنه قد يضل وضلاله لا يأتي من الخارج فقط، بل من الداخل: من الانزلاق، والمحاصصة، وفقدان الاستقلالية، واستعادة الطريق تبدأ من الاعتراف بالخطأ، ومن العودة إلى الشعب، ومن التمسك بالمبادئ التي خٌلق من أجلها.
وما يجرى في كمبالا، وما تكرر في منصة 2026، ليس قدرًا محتومًا. بل هو اختبار جديد للمجتمع المدني السوداني: هل يتعلم من دروس الماضي؟ أم يعيد إنتاج الفخ ذاته؟ والإجابة ليست مكتوبة سلفًا. إنها رهن بإرادة الناشطين، ووعي القواعد الشعبية، وقدرة المجتمع المدني على العودة إلى حصنه الحصين وهو: الوقوف الى جانب الشعب المغلوب على أمره، وحراسة العدالة، ورفض كل أشكال المحاصصة والكوتة والإقصاء.
بهذه الحلقة العاشرة والأخيرة، نكون قد أكملنا سلسلة تحليلية عن المجتمع المدني في السودان، ضمن دراسة أوسع لأزمة الدولة السودانية المزمنة. السلسلة هدفت إلى تقديم دراسة معمقة ومتسلسلة، تجمع بين التحليل التاريخي والسوسيولوجي والسياسي، لتكون مرجعًا للباحثين والمهتمين، وشهادة على دور المجتمع المدني في تاريخ السودان الحديث. وقد حاولنا فيها أن نكون أوفياء للحقيقة، لا للأشخاص ولا للأحزاب، وأن نضع مصلحة السودان وشعبه فوق كل اعتبار.
شكرًا لك على القراءة والمتابعة وإلى لقاء آخر في سلسلة جديدة، نستكمل فيها مشوارنا في فهم أزمة الدولة السودانية.

