(قراءة نقدية في تصريحات البروفيسور قاسم بدري)
(1)
بقلم: أ/ آدم راشد
حين يرتفع صرح علمي وأكاديمي مرموق ليعلو فوق منصة عامة، فإن الناس لا تنتظر منه صدى لأهواء الساسة أو ترديداً لخطابات الإفلات من العقاب، بل تتوسم فيه بوصلة أخلاقية وضميراً حياً يضبط إيقاع الحقيقة. ومن هنا كان وقع التصريح المنسوب للبروفيسور قاسم بدري—باعتباره قامة اكاديمية رفيعة نكن لها في وجداننا كل التقدير والاحترام لمسيرته التربوية الطويلة، وهو الآن رئيساً للجنة المعنية بالحوار الوطني—مفزعاً وصادماً للوجدان السوداني؛ إذ خرج ليصف “العدالة والمحاسبة” بأنها “حاجة ما مهمة” في معادلة الأزمة الراهنة. إن هذا التموضع غير المفهوم في فخ الاستخفاف بدماء الضحايا يثير استغراباً بالغاً ودهشة عميقة، لا سيما حين يصدر عن شخصية بحجمه التاريخي، وهو ما يوجب الوقوف بحزم وتفنيد هذا المسلك بمنطق القانون، وفلسفة العدالة، ومحكم التنزيل، وتجارب الأمم.
في مرآة الدين والحكمة، تعلمتنا الأديان السماوية والتراث الإنساني أن العدالة ليست بنداً قابلاً للتفاوض أو سلعة تُباع في سوق المساومات السياسية، بل هي العروة الوثقى التي تقوم عليها السماوات والأرض. في القرآن الكريم، يربط الخالق سبحانه وتعالى قيام الدول واستمرارها بتحقيق القسط ورفض الظلم، ويحذر أشد التحذير من تزييف الحقائق أو بخس حقوق المظلومين بقوله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}. بل إن القرآن يعتبر القصاص وحفظ الحقوق هو مقوم الحياة نفسه. فكيف لرئيس لجنة حوار وطني أن يزعم أن العدالة غير مهمة، وهي التي تنص عليها كل آيات الوحي كشرط حتمي للاستخلاف والاستقرار؟ وفي حكمة الفلاسفة القدامى، يرى أفلاطون أن العدالة هي الفضيلة الكبرى التي تنتظم بها أجزاء النفس والدولة، بينما كان الفيلسوف الروماني سيسيرو يقرر حقيقة خالدة بأن بقاء الأوطان مرهون برد الحقوق لأصحابها لا بالتنازل عنها إرضاءً لجنرال أو سياسي باحث عن غنيمة.
إن خطورة هذه الزلة تكمن في كونها تكرس لأخطر مرض أصاب النخب السودانية عبر تاريخها، ألا وهو ثقافة الإفلات الأبدي من العقاب. وحين ينبري شخصية بمقام البروفيسور قاسم بدري للتقليل من شأن المحاسبة، فإنه يمنح الجلادين صك غفران مبكر، ويشرعن لثقافة العنف المتجدد. إن القول بأن العدالة تعرقل السلام هو كذبة كبرى وخديعة تاريخية يفندها علم العدالة الانتقالية الحديث؛ فالتجارب العالمية والعرف الدولي باتا يقران بأن التلازم بين السلام والعدالة هو تلازم عضوي لا يقبل الانفصال. فالسلام الذي يُبنى على جثث الضحايا ودماء المهمشين، وتُطوى فيه ملفات الجرائم، ليس سلاماً بل هو هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار. وحين يُستخف بالمحاسبة، يتم تجاهل أن ملايين السودانيين النازحين والضحايا والناجيات من العنف الجنسي لا يطلبون ثأراً، بل يطلبون العدالة المؤسسية التي تمنع تكرار الجريمة، فأي حوار وطني يُدار بلا عدالة هو مجرد وليمة للمجرمين لتقاسم الكراسي على أشلاء الأبرياء.
إذا استنطقنا التاريخ البشري وتجارب الأمم في مواجهة إرث الانتهاكات، سنجد أن الدول التي حاولت تجاوز العدالة تحت غطاء المصالحة الرخيصة قد انتهت إلى حروب أشد ضراوة. فتجارب أمريكا اللاتينية أثبتت بوضوح أن العفو المجاني عن الطغاة لم يلبث أن انهار أمام إصرار لجان الحقيقة والضحايا على الملاحقة القضائية. وتجربة جنوب إفريقيا وضعت شرطاً مقدساً بألا عفو بلا اعتراف كامل بالحقيقة ولا سلام بلا جبر ضرر. والقواعد العرفية وميثاق الأمم المتحدة تؤكد يوماً بعد يوم أن الإفلات من العقاب يشكل جريمة دولية مستمرة لا تسقط بالتقادم.
إننا إذ نجدد احترامنا الكامل لمكانة البروفيسور قاسم بدري العلمية الرفيعة وإسهاماته الجليلة، فإننا نقف في استغراب بالغ أمام هذه الزلة الكلامية التي لا تنسجم مع هامة بحجمه. إن تبرير الانتهاكات أو إسقاط ركن المحاسبة تحت ذريعة تيسير الحوار يمثل سقوطاً في فخ المساومة على دماء الشهداء. وإن المطلوب الآن من نخبنا الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني الحرة هو الرفض القاطع لمثل هذه التوجهات، والتأكيد الدائم على أن لا سلام عادل بلا عدالة انتقالية ناجزة، ولا حوار وطني يكتب له النجاح وهو يبني شرعيته على أنقاض حقوق الضحايا. فالتاريخ لا يرحل في صمت، والعدالة قادمة لا محالة، متى ما أدرك الأحرار أن حراسة الدماء هي الشرف الأبدي الذي لا مساومة فيه أبداً.
إن المطلوب الآن من نخبنا الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني الحرة، هو الرد الحاسم والواعي على مثل هذه السقطات الخطيرة؛ بالتأكيد الدائم على أن لا سلام عادل بلا عدالة انتقالية ناجزة، ولا حوار وطني يكتب له النجاح وهو يبني شرعيته على أنقاض حقوق الضحايا. فالتاريخ لا يرحل في صمت، والعدالة قادمة لا محالة، متى ما أدرك الأحرار أن حراسة الدماء هي الشرف الأبدي الذي لا مساومة فيه.

