الأربعاء, سبتمبر 30, 2026

سودانا _ تحليل

موقف الرياض في مجلس الأمن يفتح معركة جديدة حول حيادها واتهامات سودانية لها بتوفير غطاء إقليمي للجيش وتيار الإخوان المسلمين 

أعاد الموقف السعودي في مجلس الأمن بشأن حرب السودان فتح معركة سياسية حول دور الرياض بعدما تبنى مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالعزيز الواصل خطاباً حاداً ضد قوات الدعم السريع التي ما زالت تقاتل في صفوف التحالف العربي، دعا إلى احترام تعهدات «منبر جدة» والحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته.

لكن اللهجة السعودية أثارت غضب قوى سودانية رأت فيها خروجاً عن موقع الوسيط إلى اصطفاف أكثر وضوحاً مع الجيش الذي انقلب على الحكومةالمدنية في 25 أكتوبر وتحالف عناصر النظام السابق،  بينما تتصاعد المطالب بإبعاد المملكة عن أي آلية دولية للوساطة.

يتخلى الوسيط عن قناعه

قال مندوب السعودية إن الاعتداء على سيادة السودان ووحدته وسلامة مؤسساته فاقم معاناة المدنيين، واتهم قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين في شمال وجنوب كردفان وتدمير البنية التحتية وعرقلة وصول المساعدات.

لكن بالنسبة إلى منتقدي الرياض لم تكن المشكلة في إدانة الانتهاكات بحد ذاتها، بل في غياب التوازن في خطاب الوسيط السعودي.

وقال مصدر قيادي في تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” حجب اسمة، إن السعودية «لم تكن محايدة» منذ بداية الحرب واتهمها بدعم الجيش والتيار الإسلامي المرتبط به، معتبراً أن حديث مندوبها في مجلس الأمن كشف بحسب تعبيره، «الانحياز الحقيقي» للمملكة.

وطالب المصدر باستبعاد السعودية من الآلية الرباعية، قائلاً إن منبر جدة صار من الماضي، وإن الرياض لم تعد من وجهة نظره طرفاً صالحاً للقيام بدور الوساطة.

هذه الرواية تبقى موقفاً صادراً عن طرف من أطراف الحرب، لكنها تكشف اتساع أزمة الثقة التي تواجه الدور السعودي مستقبلاً.

الدولة أم الجيش؟

تتمسك الرياض بمفهوم مؤسسات الدولة السودانية وهو الموقف الذي كرره الواصل أمام مجلس الأمن. غير أن هذه العبارة تحمل في السياق السوداني مشكلة سياسية عميقة: فالجيش ليس مراقباً للحرب بل أحد طرفيها.

ولهذا يرى منتقدو السعودية أن الدفاع عن «مؤسسات الدولة» في ظل استمرار الحرب قد يتحول عملياً إلى دعم للسلطة العسكرية التي تسيطر على تلك المؤسسات، خصوصاً في ظل رفض قيادة الجيش وقف الحرب قبل تحقيق أهدافها العسكرية، وهي رواية تعبر بها قيادة الجيش انابة عن التيار الإسلامي الرافض للسلام.

ومن هنا يأتي الاتهام بأن الرياض لا تدعم مجرد «الدولة السودانية»، بل تساعد على تثبيت صيغة سياسية يكون الجيش مركزها الأساسي.

صفقة باكستان: 

أكثر الملفات التي غذت الشكوك حول الدور السعودي هي صفقة الأسلحة الباكستانية للسودان.

وكانت رويترز قد كشفت في يناير/كانون الثاني أن باكستان اقتربت من صفقة دفاعية مع السودان بقيمة 1.5 مليار دولار، تشمل طائرات ومسيّرات وأنظمة عسكرية. وذكرت مصادر أن السعودية لعبت دوراً في ترتيب الصفقة وتمويلها.

ثم كشفت رويترز لاحقاً أن الرياض اعترضت على الصفقة وضغطت باتجاه تعليقها ما يجعل رواية «التمويل السعودي الكامل» بحاجة إلى قدر كبير من التحفظ.

لكن بالنسبة للمراقبين، فإن مجرد انخراط الرياض في ترتيب صفقة عسكرية لصالح الجيش يكفي لطرح سؤال أكبر: هل كانت المملكة تستخدم نفوذها لإنهاء الحرب أم لإدارة ميزان القوة داخلها؟

من مقاتلين في اليمن إلى «ميليشيا»

المفارقة الأكثر إيلاماً في السجال السعودي هي العلاقة القديمة بين الرياض وقوات الدعم السريع.

فمنذ 2015 شارك مقاتلون سودانيون وكانت قوات الدعم السريع تمثل الجزء الأكبر منهم، في الحرب التي قادتها السعودية في اليمن. قاتل هؤلاء على جبهات اليمن والحدود الجنوبية للمملكة وسقط منهم قتلى في المعارك. واليوم تصف الرياض القوة نفسها بأنها «ميليشيا».

وهذه المفارقة كانت حاضرة في بيان منسوب إلى أسر جنود من قوات الدعم السريع شاركوا في القتال إلى جانب التحالف العربي. وطالب البيان، وفق الرواية التي أوردها المصدر قيادة الدعم السريع بسحب قواتها المرابطة في السعودية، منتقداً ما اعتبره تناقضاً بين تضحيات تلك القوات في الدفاع عن أمن المملكة وبين موقف الرياض الحالي منها.

ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من هوية مصدري البيان أو مدى تمثيله لأسر الجنود، لكنه يعكس تحول العلاقة من شراكة عسكرية إلى خصومة سياسية مفتوحة.

القانون والرواية السعودية

تزداد حدة السجال عندما يُستحضر قانون قوات الدعم السريع.

فقد أقر البرلمان السوداني في 2017 قانوناً نظم وضع القوة باعتبارها قوة عسكرية قومية تحت إمرة القائد الأعلى للقوات المسلحة. كما كشف وزير الدفاع آنذاك عوض ابن عوف عن وجود عشرات الضباط من الجيش والمخابرات داخل القوة، بينما استند القانون في عدد من مواده إلى تشريعات القوات المسلحة.

وبالتالي فإن توصيف الدعم السريع اليوم باعتباره «ميليشيا» لا يلغي حقيقة أن القوة كانت تتمتع بوضع قانوني رسمي داخل الدولة السودانية قبل اندلاع حرب أبريل/نيسان 2023.

لكن الحرب غيرت المعادلة. فالبرهان حل الدعم السريع بعد اندلاع القتال وأعلنها قوة متمردة بأمر من تنظيم الإخوانالمسلمين، وأصبح توصيفها القانوني جزءاً من الحرب السياسية والإعلامية بين الطرفين.

وهنا تبدو اللغة السعودية أقرب إلى الرواية القانونية والسياسية لمعسكر الجيش والإخوان منها إلى خطاب وسيط يحاول الحفاظ على مسافة متساوية.

الرياض والقاهرة: بوابة واحدة

يقول مراقبون لموقف السعودية، إن الرياض طوال السنوات الأولى للحرب اعتمدت إلى حد كبير على القاهرة في إدارة علاقتها بالجيش السوداني قبل أن يصبح حضورها أكثر مباشرة في الملف.

وتربط هذه القراءة بين المصالح السعودية في البحر الأحمر والتحالف مع مصر والعلاقات التاريخية مع المؤسسة العسكرية السودانية، فضلاً عن المخاوف السعودية من انهيار الدولة أو صعود قوى مدنية وديمقراطية تعتبرها الرياض تهديداً لأمنها الإقليمي.

لكن المشكلة أن الخوف من الفوضى قد يدفع الوسيط إلى تفضيل مصالحة على الديمقراطية والدولة على حساب المجتمع والمؤسسة العسكرية على حساب العملية المدنية.

وهذه هي النقطة التي تضع السياسة السعودية في مواجهة مباشرة مع القوى السودانية المدنية التي ترى أن إنهاء الحرب يجب أن يقترن بتفكيك البنية السياسية التي أنتجت الحرب لا بإعادة ترميمها.

اليمن يعود من النافذة

المفارقة السعودية لا تتوقف عند قوات الدعم السريع.

فالقوة التي شاركت الرياض حربها في اليمن وحمت حدودها أصبحت اليوم واحدة من أبرز القوى التي تتهمها المملكة بتهديد الدولة السودانية.

لقد استخدمت السعودية مقاتلي الدعم السريع في واحدة من أكثر ساحات الحرب قسوة في المنطقة، ثم وجدت نفسها بعد سنوات في مواجهة القوة ذاتها سياسياً بينما يقف الجيش والتيار الإخواني في الجانب الآخر من المعادلة.

وهذا التحول يطرح سؤالاً لا تستطيع الرياض تجاهله: هل كانت علاقتها بالدعم السريع تحالفاً ظرفياً انتهى بانتهاء الحاجة إليه أم أن المملكة اليوم تعيد كتابة تاريخ تلك العلاقة بما يخدم موقفها في الحرب السودانية؟

 

الوسيط ايحتاج إلى حياد

المشكلة التي تواجه السعودية ليست في امتلاكها علاقات مع الجيش بقيادة عبد الفتاحالبرهان. فكل وساطة ناجحة تحتاج إلى قنوات اتصال مع أطراف النزاع. المشكلة تبدأ عندما يعتقد أحد الأطراف أن الوسيط يريد نتيجة سياسية محددة مسبقاً.

وهذا تحديداً ما يهدد «منبر جدة» اليوم.

فإذا كانت الرياض تريد العودة إلى لعب دور مركزي في إنهاء الحرب، فعليها أن تثبت أن علاقتها بالجيش لا تعني قبول استمرار حكمه وأن دفاعها عن مؤسسات الدولة لا يعني الدفاع عن سلطة عسكرية وأن إدانتها للدعم السريع لا تعفي الطرف الآخر من المساءلة عن انتهاكاته.

وإلا فإن السعودية قد تجد نفسها أمام مفارقة سياسية قاسية: الدولة التي دخلت الحرب السودانية باعتبارها راعياً للسلام قد تنتهي إلى فقدان موقعها كوسيط لأنها بدت في نظر خصومها جزءاً من المعادلة التي تحاول الوساطة إنهاءها.

هنا لا يعود السؤال السوداني بشكل واضح: هل تريد السعودية السلام لكن السؤال الأصعب هو: أي سلام تريده الرياض للسودان ومن تريد أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة عندما تصمت البنادق وتنتهي صفقات الأسلحة المموله ؟