أقلام سودانية

بابلو دي غريف: جبر الضرر من تعويض الضحايا إلى استعادة كرامة المجتمع (5)

حين لا يكفي الاعتراف بالحقيقة، وتصبح العدالة مطالبة بإعادة الحقوق وبناء الثقة بين الدولة والمواطن

بقلم: آدم راشد

ثمة فرق عميق بين أن تعترف الدولة بأنها ظلمت مواطنيها، وأن تتخذ خطوات حقيقية لإصلاح ما أفسده ذلك الظلم. فالكلمات، مهما بلغت بلاغتها، لا تعيد إلى أمٍّ ابنها المفقود، ولا تعوض أسرة فقدت منزلها ومصدر رزقها، ولا تمحو آثار التعذيب من جسد ناجٍ، ولا تعيد إلى مجتمع اقتُلع من أرضه شعوره بالأمان والانتماء. ومع ذلك، فإن الاعتراف الرسمي بالانتهاك يظل خطوة لا غنى عنها؛ لأنه يضع الضحية في موضع صاحب الحق، ويعيد تسمية الظلم باعتباره ظلماً، لا حادثاً عابراً أو ثمناً مفترضاً لضرورات السياسة.

لكن ماذا بعد الاعتراف؟ ماذا ينبغي أن تفعل الدولة حين تقر بأن مواطنيها تعرضوا لانتهاكات جسيمة؟ وهل يكفي أن تدفع تعويضات مالية، أم أن العدالة تقتضي ما هو أبعد من ذلك؟ وكيف يمكن لبرنامج جبر الضرر أن يعيد بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، بعد أن كانت تلك المؤسسات نفسها، في بعض الحالات، مصدر الخوف والانتهاك؟

هذه الأسئلة تقودنا إلى أحد أبرز الباحثين الذين أسهموا في تطوير الفكر المعاصر للعدالة الانتقالية، وهو الفيلسوف السياسي، والباحث الكولومبي بابلو دي غريف، الذي ارتبط اسمه بدراسة جبر الضرر، وبناء السياسات الشاملة للعدالة الانتقالية، وتطوير العلاقة بين الإنصاف الفردي وإعادة بناء الثقة الاجتماعية والمؤسسية .

إن أهمية دي غريف لا تكمن في أنه أضاف برنامجاً جديداً إلى قائمة برامج العدالة الانتقالية فحسب، بل في أنه ساعد على إعادة التفكير في معنى جبر الضرر ذاته: من مجرد تعويض عن خسارة وقعت في الماضي، إلى اعتراف سياسي وأخلاقي بحقوق الضحايا، وإعادة تأكيد مكانتهم بوصفهم مواطنين متساوين في الكرامة والحقوق .

من الفلسفة السياسية إلى قضايا الضحايا

وُلد بابلو دي غريف في كولومبيا، وتلقى تعليمه الجامعي في جامعة ييل، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة نورث وسترن في الولايات المتحدة. وعمل أستاذاً مشاركاً في قسم الفلسفة بجامعة ولاية نيويورك في بوفالو، حيث انصب اهتمامه على الأخلاق والنظرية السياسية، والعلاقة بين القانون والسياسة والمبادئ الأخلاقية.

ولعل هذه الخلفية الفلسفية تفسر جانباً مهماً من طبيعة إسهامه؛ فهو لا ينظر إلى العدالة الانتقالية باعتبارها مجموعة إجراءات فنية تتبناها الحكومات بعد الحروب أو الأنظمة الاستبدادية، بل يتعامل معها بوصفها مشروعاً لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قواعد الحقوق والمساواة والثقة..

ومنذ عام 2001 وحتى عام 2014، شغل منصب مدير البحوث في المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ) وأسهم خلال تلك الفترة في تطوير عدد من المشروعات البحثية التي أصبحت مراجع مهمة في هذا الحقل. ومن أبرزها كتاب The Handbook of Reparations( الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد عام 2006، وكتاب (Transitional Justice and Development: Making Connections) الصادر عام 2009، وكتاب (Disarming the Past: (Transitional Justice and Ex-combatants الصادر عام 2010 (

كما تولى منذ عام 2014 مسؤوليات بحثية وأكاديمية في مركز حقوق الإنسان والعدالة العالمية بكلية الحقوق في جامعة نيويورك، حيث واصل العمل على قضايا العدالة الانتقالية والوقاية من الانتهاكات .

وفي عام 2012، عيّنه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أول مقرر خاص معني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، وهو منصب اضطلع به حتى عام 2018. وقد أتاح له هذا الموقع أن يربط بين البحث الأكاديمي والمعايير الدولية والتجارب الوطنية، وأن يطرح رؤية متكاملة لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني .

جبر الضرر: لماذا لا يكفي دفع التعويضات؟

لعل أبرز إسهامات دي غريف وأكثرها اتصالاً بموضوع هذه الحلقة تتمثل في إعادة بناء التصور الفكري لجبر الضرر، خصوصاً في الحالات التي لا نتحدث فيها عن ضحية واحدة أو عدد محدود من المتضررين، وإنما عن انتهاكات واسعة النطاق طالت آلافاً أو مئات الآلاف من البشر .

في القضايا الفردية، قد يكون من الممكن تحديد الضرر الذي أصاب شخصاً بعينه، وتقدير التعويض المناسب له، وفقاً للقواعد القانونية ذات الصلة. لكن ماذا يحدث حين تكون الانتهاكات جماعية ومنهجية؟ حين يُقتل الآلاف، ويُهجّر السكان من مناطقهم، وتُصادر الممتلكات، وتُدمّر مصادر الرزق، ويُحرم جيل كامل من التعليم، وتتعرض مجتمعات بأكملها للتفكك؟

هل يمكن التعامل مع هذه المآسي من خلال حساب مالي يحدد قيمة كل خسارة على حدة؟

يرى دي غريف أن نقل منطق التعويض الفردي إلى برامج جبر الضرر الجماعية يثير صعوبات كبيرة. فبعض الأضرار لا يمكن ردها إلى حالتها السابقة، وبعضها لا يمكن تقديره بالمال، كما أن تطبيق مبدأ التعويض الكامل لكل حالة على حدة يصبح بالغ التعقيد حين تكون الانتهاكات واسعة النطاق، والضحايا بأعداد كبيرة، والموارد المتاحة محدودة .

ومن هنا دعا إلى إعادة التفكير في العدالة داخل برامج جبر الضرر الجماعية، بحيث لا يكون معيار نجاحها هو مقدار الأموال التي تدفعها الدولة فحسب، بل مدى تحقيقها ثلاثة أهداف مترابطة :

الاعتراف بالضحايا، وتعزيز الثقة المدنية، وتقوية التضامن الاجتماعي

وهذه الأهداف الثلاثة تمثل جوهر الإضافة الفكرية التي قدمها دي غريف في هذا الموضوع حسب الاتي:

الاعتراف: إعادة الضحية إلى مكانتها كمواطن صاحب حق

قد يبدو الاعتراف بالضحايا أمراً بديهياً، لكنه في واقع المجتمعات التي شهدت انتهاكات واسعة ليس مسألة بسيطة، ففي كثير من الأحيان، لا تكتفي السلطات بارتكاب الانتهاك، بل تتبع ذلك بإنكار وقوعه، أو التشكيك في روايات الضحايا، أو تصويرهم باعتبارهم مسؤولين عما تعرضوا له، أو اعتبار معاناتهم نتيجة جانبية لا تستحق الاهتمام.

وقد تُحرم أسرة المفقود من معرفة مصيره، ويُترك النازح من دون اعتراف بحقه في العودة أو التعويض، ويُعامل الناجي من التعذيب باعتباره شخصاً ينبغي له أن ينسى ما جرى، فيما تظل المؤسسة التي انتهكت حقوقه بمنأى عن المساءلة.

في مثل هذه الظروف، يصبح الاعتراف الرسمي بالضحايا خطوة ذات قيمة تتجاوز الكلمات؛ لأنه يعيد إليهم مكانتهم بوصفهم أشخاصاً متساوين في الكرامة والحقوق، ويقر بأن ما تعرضوا له لم يكن أمراً عادياً أو مقبولاً.

وهنا تتضح فكرة دي غريف: إن جبر الضرر لا يقتصر على معالجة الخسارة المادية، بل يتضمن الاعتراف بالضحية باعتبارها إنساناً ذا قيمة، ومواطناً له حقوق، لا مجرد متلقٍ للمساعدة أو الإحسان.

والفرق بين الحق والإحسان جوهري. فالمساعدة الإنسانية قد تكون ضرورة عاجلة لإنقاذ المتضررين، لكنها لا تحل محل حق الضحية في الإنصاف. والمال الذي تقدمه الدولة على سبيل المنحة يختلف في معناه القانوني والأخلاقي عن التعويض الذي تقدمه اعترافاً بمسؤوليتها عن الضرر، ومن هنا ينبغي أن تُصمم برامج جبر الضرر على أساس الحقوق، لا على أساس الامتنان أو التفضل أو الاعتبارات السياسية.

الثقة المدنية: كيف يستعيد المواطن ثقته في الدولة؟

الهدف الثاني الذي يبرزه دي غريف هو تعزيز الثقة المدنية، أو ما يُعرف في أدبياته بمفهوم (Civic Trust).

والمقصود بها ليس مجرد شعور عاطفي بالارتياح تجاه الحكومة، بل وجود ثقة متبادلة بين المواطنين، وبينهم وبين مؤسسات الدولة، تقوم على الاعتقاد بأن القواعد العامة تحكم الجميع، وأن الحقوق ليست امتيازات تمنحها السلطة لمن تشاء، وأن القانون يوفر الحماية على قدم المساواة.

فحين يتعرض مواطنون للقتل أو التعذيب أو التهجير أو المصادرة على يد مؤسسات الدولة أو بموافقتها أو بتواطئها، فإن الضرر لا يقف عند حدود الضحايا المباشرين. إنه يمتد إلى الثقة العامة في الدولة، وفي القضاء والشرطة والأجهزة الأمنية، وفي فكرة المواطنة ذاتها.

وقد يشعر المواطن بأن القانون لا يحميه، وأن مؤسسات الدولة لا تمثله، وأن حقوقه مرتبطة بهويته أو موقعه الجغرافي أو انتمائه السياسي.

لذلك، لا يمكن إعادة بناء الثقة بمجرد تقديم التعويضات، إذا بقيت المؤسسات التي ارتكبت الانتهاكات أو سمحت بها تعمل من دون إصلاح. كما لا يمكن مطالبة الضحايا بالثقة في الدولة الجديدة إذا لم تظهر هذه الدولة استعداداً للاعتراف بما وقع، ومحاسبة المسؤولين، وتصحيح الأوضاع التي أدت إلى الانتهاكات.

إن برنامج جبر الضرر، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن إصلاح القضاء والأجهزة الأمنية والإدارة العامة، ولا عن ضمان استقلال المؤسسات واحترام الحقوق الأساسية، فالثقة لا تُطلب من الضحايا؛ بل تُبنى من خلال سلوك الدولة، وعدالة مؤسساتها، ووفائها بالتزاماتها.

التضامن الاجتماعي: من جراح الأفراد إلى تعافي المجتمع

أما الهدف الثالث، فهو تعزيز التضامن الاجتماعي (Social Solidarity)

فالمجتمعات التي تتعرض لانتهاكات واسعة لا تعاني فقط من خسائر فردية متفرقة، بل قد تشهد انقساماً عميقاً بين مكوناتها، وتآكلاً في الروابط الاجتماعية، وتراجعاً في الشعور بالمصير المشترك.

وقد تؤدي سياسات التمييز والتهجير والاستهداف على أساس الهوية إلى تفكيك المجتمعات، وإلى نشوء حالة من انعدام الثقة بين المجموعات السكانية، بحيث يصبح الانتماء المحلي أو القبلي أو الإثني أو السياسي مصدراً للخوف والتمييز.

ومن هنا فإن جبر الضرر ينبغي ألا ينظر إلى الضحية بمعزل عن المجتمع الذي تنتمي إليه. فقد يحتاج الفرد إلى تعويض أو تأهيل طبي ونفسي، بينما يحتاج المجتمع إلى إعادة بناء مدرسة أو مستشفى، أو استعادة مصادر المياه، أو ترميم مرفق عام دمرته الحرب، أو إعادة تأهيل منطقة تعرضت للتهجير والتفكيك .

لكن دي غريف لا يختزل التضامن في تقديم الخدمات العامة وحدها؛ فالمسألة تتصل أيضاً بإعادة تأكيد مبدأ المساواة في الحقوق، وتجاوز السياسات التي قسمت المجتمع إلى فئات تستحق الحماية وأخرى يمكن التضحية بها.

وهكذا يصبح جبر الضرر وسيلة للمساهمة في إعادة بناء المجال العام، وإعادة تأكيد أن المواطنين ينتمون إلى مجتمع سياسي واحد، وأن حقوقهم لا تتوقف على هويتهم أو المنطقة التي يعيشون فيها.

جبر الضرر ليس مالاً فقط: الأشكال المتعددة للإنصاف

من المهم هنا أن نتوقف عند مفهوم جبر الضرر في القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ فهو أوسع من التعويض المالي، ويشمل صوراً متعددة من التدابير التي تتكامل بحسب طبيعة الانتهاك واحتياجات الضحايا .

وتتضمن هذه التدابير، في صورتها العامة، خمسة أشكال رئيسية :

أولاً: الرد أو إعادة الحال إلى ما كان عليه

(Restitution)

ويشمل إعادة الحقوق أو الأوضاع التي حُرم منها الضحايا، متى كان ذلك ممكناً. ومن أمثلته إعادة الممتلكات المصادرة، وتمكين المهجرين من العودة الطوعية والآمنة والكريمة، واستعادة الوظائف أو الحقوق المدنية التي سُلبت بصورة غير مشروعة.

ثانياً: التعويض

(Compensation)

 

ويشمل تقديم تعويض مالي عن الأضرار التي يمكن تقديرها، مثل الخسائر المادية، وفقدان الدخل، والأضرار الجسدية والنفسية، والتكاليف المرتبطة بالعلاج أو إعادة التأهيل.

ثالثاً: إعادة التأهيل

(Rehabilitation)

وهو من الجوانب المهمة التي كثيراً ما تُهمل في برامج جبر الضرر، ويشمل الخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية والقانونية التي يحتاج إليها الضحايا للتعافي واستعادة قدرتهم على ممارسة حياتهم .

رابعاً: الترضية أو تدابير إرضاء الضحايا

(Satisfaction)

وتشمل الاعتراف الرسمي بالمسؤولية، وكشف الحقيقة، والاعتذار الرسمي، وتحديد مصير المفقودين، وتسليم الرفات إلى الأسر، وإحياء ذكرى الضحايا، وإقامة النصب التذكارية، وغيرها من التدابير التي تعترف بالمعاناة وتحفظ الذاكرة.

خامساً: ضمانات عدم التكرار

(Guarantees of Non-recurrence)

وتتصل بإصلاح المؤسسات والتشريعات والسياسات التي سمحت بوقوع الانتهاكات، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وضمان استقلال القضاء، وإخضاع أجهزة الدولة للقانون.

وهذه الأشكال ليست قائمة جامدة يجب تطبيقها بالطريقة نفسها في كل حالة، بل تتحدد وفق طبيعة الانتهاكات، واحتياجات الضحايا، والإمكانات المتاحة، والالتزامات القانونية للدولة.

والأهم أنها توضح أن جبر الضرر لا ينتهي عند دفع التعويض، بل يمتد إلى إصلاح الأسباب التي أنتجت الضرر، حتى لا يجد الضحايا أنفسهم أمام الانتهاكات ذاتها مرة أخرى.

كتاب «دليل جبر الضرر»: مساهمة علمية تتجاوز التعويضات

في عام 2006، أصدر دي غريف محرراً كتاباً جماعياً مهماً بعنوان :

The Handbook of Reparations

ويمكن ترجمته إلى «دليل جبر الضرر»، وقد صدر عن مطبعة جامعة أكسفورد، وأصبح أحد المراجع الأساسية في دراسة برامج جبر الضرر في سياق الانتهاكات واسعة النطاق .

لم يكن الكتاب مجرد دليل إجرائي حول كيفية صرف التعويضات، بل جمع دراسات عن التجارب الوطنية، والأسس القانونية والأخلاقية لجبر الضرر، والتحديات التي تواجه تصميم البرامج وتنفيذها، والعلاقة بين التعويض المادي والتدابير الرمزية، فضلاً عن قضايا خاصة مثل جبر الضرر للناجين من العنف الجنسي.

وقد تناول الكتاب تجارب مختلفة، وقدم مادة مقارنة تساعد على فهم كيفية تصميم برامج وطنية تستجيب لأعداد كبيرة من الضحايا، وكيفية تحديد الفئات المستحقة، ومعايير الاستفادة، وطبيعة المنافع التي يمكن تقديمها، وآليات التمويل والتنفيذ والمتابعة.

ومن أهم المسائل التي عالجها أن العدالة في برامج جبر الضرر الجماعية لا يمكن اختزالها في محاولة حساب التعويض الدقيق لكل ضحية، كما لو كنا أمام نزاع مدني فردي. فحين تكون الانتهاكات واسعة النطاق، يصبح من الضروري التفكير في عدالة البرنامج بأكمله، وفي مدى اعترافه بالضحايا، وقدرته على استعادة الثقة، وتعزيز التضامن الاجتماعي.

وهنا تتضح الإضافة الفكرية للكتاب: إنه يربط بين تصميم برنامج جبر الضرر وبين الأهداف الأوسع للعدالة الانتقالية، ويجعل من الإنصاف جزءاً من مشروع إعادة بناء المجتمع، لا مجرد تسوية مالية لخسائر الماضي.

العدالة الانتقالية سياسة متكاملة لا قائمة إجراءات

لم تتوقف مساهمة دي غريف عند جبر الضرر؛ فقد كان من أبرز المدافعين عن الرؤية الشاملة للعدالة الانتقالية، التي تقوم على التكامل بين أربعة مكونات رئيسية :

الحقيقة، والعدالة الجنائية، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار، وقد شدد على أن هذه المكونات لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها قائمة من الإجراءات المستقلة التي تختار الحكومة منها ما يناسبها سياسياً، أو تنفذ بعضها لتبرير التخلي عن البعض الآخر.

فإذا أنشأت الدولة لجنة للحقيقة، ثم تجاهلت الملاحقات القضائية، فإن كشف الوقائع قد لا يفضي إلى المساءلة. وإذا دفعت التعويضات للضحايا، لكنها أبقت المؤسسات المسؤولة عن الانتهاكات من دون إصلاح، فإن خطر التكرار يظل قائماً. وإذا أجرت محاكمات من دون الاعتراف بالضحايا أو جبر أضرارهم، فإن العدالة ستظل ناقصة من جوانب مهمة.

ولهذا تحدث دي غريف عن ضرورة الاتساق بين هذه التدابير، بحيث لا تعمل كل آلية بمعزل عن الأخرى، بل ضمن سياسة عامة واضحة ومتكاملة .

والفكرة هنا أن كل آلية لها حدودها؛ لكن تكامل الآليات يمكن أن يعالج جوانب من القصور لا تستطيع أي واحدة منها معالجتها بمفردها، وقد أسهم هذا التصور في ترسيخ فهم للعدالة الانتقالية يتجاوز إنشاء اللجان والمحاكم وبرامج التعويض بوصفها مؤسسات متفرقة، إلى النظر إليها باعتبارها مشروعاً متكاملاً لإعادة تأسيس الدولة على احترام الحقوق وسيادة القانون.

العدالة والتنمية: هل يمكن بناء المستقبل مع تجاهل ظلم الماضي؟

من الإسهامات الأخرى التي تستحق التوقف عندها اهتمام دي غريف بالعلاقة بين العدالة الانتقالية والتنمية، ففي كثير من المجتمعات الخارجة من الحروب، تتجه السياسات العامة إلى التركيز على إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي وتوفير الخدمات، وقد يُنظر إلى قضايا العدالة باعتبارها ملفاً منفصلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

لكن دي غريف يلفت إلى أن التنمية التي تتجاهل إرث الانتهاكات قد تعيد إنتاج أوجه الظلم ذاتها. فإذا كانت مناطق معينة قد حُرمت تاريخياً من الخدمات والموارد والفرص، فإن إعادة الإعمار من دون معالجة هذا التفاوت قد تعيد تثبيت أنماط التهميش القديمة، كما أن الانتهاكات الواسعة لا تترك آثاراً مادية فحسب، بل تضعف قدرة الأفراد والمجتمعات على المشاركة في الحياة العامة، وتستنزف الثقة المدنية، وتؤثر في قدرة الناس على تنظيم أنفسهم والدفاع عن حقوقهم.

ومن هنا فإن العدالة ليست عبئاً خارجياً على التنمية، بل يمكن أن تكون جزءاً من شروطها. فالاعتراف بالحقوق، وإصلاح المؤسسات، وإعادة الثقة، وتوسيع المشاركة، كلها عناصر تساعد على بناء مجتمع أكثر قدرة على التنمية والاستقرار.

ولا يعني ذلك أن كل برنامج للعدالة الانتقالية سيحقق تلقائياً نمواً اقتصادياً، أو أن التعويضات تحل محل سياسات التنمية. بل المقصود أن التنمية المستدامة في المجتمعات المتأثرة بالانتهاكات ينبغي ألا تتجاهل الأسباب التاريخية والمؤسسية التي أنتجت التفاوت والحرمان.

وقد تناول دي غريف هذه العلاقة في أعماله حول العدالة الانتقالية والتنمية، مؤكداً أهمية دمج معالجة إرث الانتهاكات في السياسات التنموية، بدلاً من التعامل مع المجالين باعتبارهما مسارين منفصلين.

من النظرية إلى الأمم المتحدة: أربعة عناوين في ولاية واحدة

عندما تولى دي غريف منصب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، اجتمعت في عنوان ولايته أربعة من أبرز مكونات العدالة الانتقالية.

ولم يكن ذلك مجرد ترتيب لغوي؛ بل عكس رؤية تعتبر هذه المكونات مترابطة، وأن لكل منها وظيفة لا يمكن الاستغناء عنها في معالجة الانتهاكات الجسيمة، وخلال ولايته، قدم تقارير موضوعية إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة تناولت المنهج الشامل للعدالة الانتقالية، وعلاقتها بسيادة القانون والتنمية، ولجان الحقيقة، واستراتيجيات الملاحقة القضائية، فضلاً عن تقارير زيارات قطرية إلى عدد من الدول.

وقد كان من أبرز ما أكد عليه ضرورة أن تتجاوز الدول النظر إلى العدالة الانتقالية باعتبارها حزمة فنية جاهزة، وأن تصمم سياساتها وفقاً لطبيعة الانتهاكات والتاريخ الوطني واحتياجات الضحايا، مع احترام المعايير الدولية.

كما نبه إلى خطر تحول العدالة الانتقالية إلى ممارسة بيروقراطية أو تقنية، تُنشأ فيها المؤسسات وتُكتب التقارير وتُعلن البرامج، بينما لا يشعر الضحايا بتغيير حقيقي في أوضاعهم.

فالمعيار عنده ليس عدد اللجان التي أُنشئت، ولا عدد التقارير التي صدرت، بل ما إذا كانت هذه الإجراءات قد أسهمت في إعادة الاعتبار للضحايا، وتعزيز سيادة القانون، وبناء الثقة، وتحسين شروط العيش المشترك.

ماذا يعني فكر دي غريف للسودان؟

عندما نصل إلى السودان، نجد أن أفكار دي غريف تلامس واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في مشروع العدالة الانتقالية السوداني: كيف يمكن إنصاف ضحايا الحروب والانتهاكات المتراكمة، في بلد تتجاوز فيه الأضرار حدود الأفراد لتصيب المجتمعات والمناطق والبنية الوطنية بأكملها؟

لقد عانى السودانيون من عقود من النزاعات المسلحة والتهميش والتهجير والانتهاكات، ثم جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتضيف أعداداً جديدة من الضحايا والمفقودين والنازحين واللاجئين، وتلحق دماراً واسعاً بالمنازل والمرافق العامة والمؤسسات ومصادر الرزق والبنية التحتية والنسيج الاجتماعي، وفي مثل هذا الواقع، يصبح اختزال جبر الضرر في صرف مبالغ مالية لبعض الضحايا تصوراً قاصراً عن حجم المأساة وطبيعتها.

فأسرة فقدت أحد أفرادها في واقعة قتل أو اختفاء تحتاج إلى معرفة الحقيقة، وإلى إجراءات قانونية تكشف المسؤولية، وإلى اعتراف رسمي بما تعرضت له، وإلى تعويض مناسب، وإلى دعم نفسي واجتماعي، وإلى ضمانات تمنع تكرار الجريمة .

والنازح الذي فقد منزله وأرضه ومصدر رزقه يحتاج إلى ما هو أبعد من المساعدة الإنسانية العاجلة؛ فهو يحتاج إلى حماية حقه في العودة الطوعية الآمنة والكريمة، أو إلى بدائل عادلة إذا تعذرت العودة، وإلى معالجة مسألة الملكية والممتلكات التي فقدها أو صودرت منه.

أما المجتمعات التي تعرضت للتدمير والتهجير، فإن جبر الضرر بالنسبة إليها قد يتطلب إعادة بناء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطرق، وإعادة تأهيل المؤسسات المحلية، واستعادة فرص التعليم والعمل، والاعتراف الرسمي بما تعرضت له من انتهاكات.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الإغاثة الإنسانية وجبر الضرر. فالإغاثة تستجيب لحاجة عاجلة، مثل الغذاء والمأوى والعلاج، وهي واجب إنساني لا يحتمل التأجيل. أما جبر الضرر فهو مسار حقوقي وقانوني يعترف بمسؤولية الدولة عن الانتهاكات، ويعمل على إصلاح آثارها المادية والمعنوية والمؤسسية، وقد يحتاج السودان إلى المسارين معاً، لكن لا ينبغي الخلط بينهما أو استخدام المساعدات الإنسانية بديلاً عن حقوق الضحايا المكفولة قانونا.

كيف يمكن تصميم برنامج سوداني لجبر الضرر؟

إن الاستفادة من فكر دي غريف تقتضي ألا يبدأ التفكير في جبر الضرر بتحديد المبالغ المالية أو أعداد المستفيدين، بل بتحديد طبيعة الأضرار، والفئات المتضررة، والحقوق التي انتهكت، والجهات المسؤولة، والاحتياجات المختلفة للأفراد والمجتمعات ومن ثم يمكن أن يقوم التصور السوداني على مسارات متكاملة:

أولها حصر الضحايا وتوثيق الانتهاكات وفق معايير مهنية، مع حماية البيانات والشهود وضمان عدم تعريضهم للخطر.

وثانيها وضع برامج فردية لجبر الضرر، تشمل التعويض وإعادة التأهيل والرعاية الطبية والنفسية واستعادة الحقوق والممتلكات، بحسب طبيعة كل حالة.

وثالثها اعتماد برامج جماعية للمجتمعات التي تعرضت لانتهاكات واسعة، بما يشمل إعادة تأهيل المرافق العامة والخدمات الأساسية، ومعالجة آثار التهجير والتهميش والحرمان من الموارد.

ورابعها الاعتراف الرسمي بالضحايا، وكشف مصير المفقودين، والاعتذار عند الاقتضاء، وحفظ الذاكرة الوطنية، وتوثيق الانتهاكات حتى لا تُمحى من التاريخ.

وخامسها إصلاح المؤسسات والتشريعات التي ساهمت في إنتاج الانتهاكات أو سمحت باستمرارها، وربط ذلك بضمانات عدم التكرار.

لكن هذه المسارات لن تحقق أهدافها إذا صُممت من أعلى، أو إذا اقتصر دور الضحايا على تقديم الطلبات وانتظار القرارات. فالمشاركة الفعلية للضحايا والمجتمعات المتضررة في تحديد الأولويات وتصميم البرامج ومراقبة التنفيذ شرط أساسي لبناء الثقة وتحقيق الإنصاف.

كما أن نجاح البرنامج يحتاج إلى إطار قانوني واضح، ومؤسسة مستقلة، وموارد مالية مستدامة، ومعايير شفافة للاستحقاق، وآلية للتظلم والطعن، ورقابة عامة تمنع الفساد والمحسوبية والتوظيف السياسي.

ولعل أهم ما ينبغي أن نتعلمه من دي غريف هو أن جبر الضرر لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لشراء الصمت أو استبدال التعويض بالمحاسبة. فلا يجوز أن يُطلب من الضحية أن يتنازل عن حقه في الحقيقة أو العدالة مقابل حصوله على تعويض، ولا أن يُستخدم برنامج جبر الضرر لتغطية إخفاق الدولة في إصلاح المؤسسات.

الإنصاف الذي يعيد بناء المستقبل

إن إسهام بابلو دي غريف في العدالة الانتقالية يذكرنا بأن العدالة لا تكتمل بمجرد معرفة ما حدث، ولا بمجرد محاكمة بعض المسؤولين عنه. إنها تحتاج أيضاً إلى أن يرى الضحايا أثراً ملموساً للاعتراف بمعاناتهم، وأن تستعيد المجتمعات ثقتها في مؤسساتها، وأن يشعر المواطنون بأنهم متساوون في الحقوق والكرامة.

لقد نقل دي غريف مفهوم جبر الضرر من دائرة التعويض المالي الضيقة إلى فضاء أوسع يتصل بالاعتراف والثقة المدنية والتضامن الاجتماعي. كما أسهم في ترسيخ فكرة أن آليات العدالة الانتقالية لا تحقق غاياتها إذا عملت بمعزل بعضها عن بعض، وأن نجاحها يرتبط بقدرتها على الإسهام في بناء دولة القانون ومجتمع أكثر إنصافاً.

ولعل الرسالة الأعمق في هذا المسار أن الضحية لا تحتاج إلى أن تتحول إلى رقم في سجل التعويضات، ولا إلى اسم في تقرير لجنة حقيقة؛ إنها تحتاج إلى دولة تعترف بحقوقها، وتنصفها، وتحميها، وتضمن ألا يتعرض غيرها لما تعرضت له.

فجبر الضرر ليس ثمناً للمعاناة، لأن بعض الخسائر لا يمكن تقديرها بثمن، وليس إحساناً من الدولة، لأن الحقوق لا تُمنح على سبيل التفضل. إنه التزام بالاعتراف بالظلم، ومحاولة جادة لإصلاح آثاره، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة على أساس المساواة والمسؤولية.

وفي السودان، حيث تتداخل جراح الحرب مع مظالم تاريخية ممتدة، تصبح هذه الرؤية مدخلاً ضرورياً للتفكير في عدالة لا تقف عند حدود التعويض، ولا تنفصل عن الحقيقة والمحاسبة والإصلاح، بل تجعل من إنصاف الضحايا نقطة انطلاق لإعادة بناء الوطن.

يمكننا أن نخصص الحلقة السادسة للباحث والفيلسوف السياسي جون إلستر صاحب الإسهام البارز في دراسة العدالة الانتقالية من منظور فلسفي وسياسي، ولا سيما كتابه “تصفية الحسابات: العدالة في زمن الانتقال”

(Jon Elster) (Closing the Books: Transitional Justice in Historical Perspective)

ومن خلاله سنقترب من سؤال آخر: كيف تتعامل المجتمعات مع الماضي حين تتغير السلطة، ولماذا تتفاوت قرارات المحاسبة والعفو والتسوية من تجربة تاريخية إلى أخرى؟

الى اللقاء في المقال القادم بإذن الله

زر الذهاب إلى الأعلى