العدالة الانتقالية بين فلسفة التاريخ وموازين السياسة
بقلم: آدم راشد
ليست العدالة الانتقالية مجرد فكرة قانونية وُلدت في قاعات المؤتمرات، ولا وصفة سياسية ابتكرتها الدول للخروج من الحروب والأزمات. إنها، في جوهرها، محاولة إنسانية للإجابة عن سؤال قديم يتجدد كلما انهار نظام سياسي، أو وضعت حرب أوزارها، أو خرج مجتمع من سنوات القمع والعنف: كيف يمكن لأمة أن تبدأ مستقبلًا جديدًا من دون أن تنكر ماضيها، أو تتجاهل ضحاياها، أو تترك الجرائم بلا مساءلة؟
يبدو السؤال بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه يضع المجتمعات أمام واحدة من أعقد المعضلات الأخلاقية والسياسية والقانونية. فالانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، أو من الحرب إلى السلام، لا يعني بالضرورة الانتقال من الظلم إلى العدالة. قد تتغير الحكومات، وتُوقَّع اتفاقيات السلام، وتُعلن مرحلة سياسية جديدة، بينما تظل آثار الجرائم ماثلة في حياة الضحايا، وتبقى المؤسسات التي أنتجت الانتهاكات قائمة، ويظل مرتكبوها قادرين على التأثير في الحاضر والمستقبل.
من هنا تكتسب العدالة الانتقالية معناها الحقيقي؛ فهي لا تكتفي بالسؤال عما إذا كان النظام السابق قد انتهى، أو ما إذا كانت الحرب قد توقفت، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الماضي، واستعادة حقوق الضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتهيئة الشروط التي تجعل تكرار المأساة أقل احتمالًا.
ولعل هذا هو المدخل الأجدر لفهم تطور الفكرة: العدالة الانتقالية ليست عدالة الماضي وحده، بل هي أيضًا محاولة لحماية المستقبل.
حين يتحول الانتقال السياسي إلى سؤال عن العدالة
لم تبدأ المجتمعات البشرية التفكير في محاسبة مرتكبي الجرائم الكبرى مع ظهور مصطلح «العدالة الانتقالية». فقد عرفت الحضارات أشكالًا متعددة من المحاسبة والتعويض والمصالحة ورد المظالم، كما شهد التاريخ محاولات لمعاقبة المسؤولين عن الحروب والانتهاكات. غير أن هذه الممارسات لم تكن، في معظمها، جزءًا من إطار متكامل يربط بين معالجة إرث الانتهاكات وإعادة بناء الدولة والمجتمع بعد التحولات السياسية الكبرى.
وقد أسهمت محاكمات نورمبرغ وطوكيو، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، في ترسيخ مبدأ أن المنصب السياسي أو العسكري لا ينبغي أن يكون حصانة مطلقة من المساءلة عن الجرائم الدولية. ومع ذلك، لم يتحول هذا الإرث مباشرة إلى منظومة عالمية متواصلة للعدالة الانتقالية؛ إذ فرضت الحرب الباردة وحسابات السياسة الدولية حدودًا على تطور المساءلة الدولية، وظلت معالجة ماضي الأنظمة القمعية متفاوتة من مجتمع إلى آخر.
ثم جاءت التحولات التي شهدتها أمريكا اللاتينية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وسقوط الأنظمة العسكرية وعودة الحكم المدني في عدد من دولها، بالتزامن مع انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية. ووجدت المجتمعات التي خرجت من الديكتاتورية نفسها أمام أسئلة لم يكن من السهل الإجابة عنها: هل ينبغي محاكمة المسؤولين عن التعذيب والاختفاء القسري والقتل السياسي؟ وكيف يمكن التعامل مع مؤسسات الأمن والقضاء التي شاركت في القمع أو سكتت عنه؟ وهل تكفي الانتخابات لإقامة الديمقراطية، إذا ظل الضحايا محرومين من الحقيقة والإنصاف؟
كانت تلك التحولات مختبرًا تاريخيًا لفكرة العدالة الانتقالية الحديثة. فقد كشفت أن إسقاط النظام القمعي لا يحسم تلقائيًا مصير جرائمه، وأن بناء الديمقراطية لا يكتمل بمجرد تغيير السلطة، بل يحتاج إلى معالجة العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين القانون والقوة، وبين ذاكرة الضحايا والرواية الرسمية للتاريخ.
وفي هذا السياق، اكتسب مصطلح العدالة الانتقالية حضورًا أكاديميًا وسياسيًا متزايدًا، حتى أصبح مجالًا مستقلًا نسبيًا للبحث والممارسة، تتداخل فيه القانون والفلسفة السياسية وحقوق الإنسان وعلم الاجتماع ودراسات السلام وبناء الدولة.
روتي تييتل: قراءة التاريخ بوصفه تطورًا في مفهوم العدالة
تحتل الباحثة القانونية الأمريكية روتي غينزبيرغ تييتل موقعًا محوريًا في التأصيل النظري للعدالة الانتقالية. ففي دراستها الشهيرة «جينيالوجيا العدالة الانتقالية»، المنشورة عام 2003 في مجلة هارفارد للقانون وحقوق الإنسان، لم تتعامل مع العدالة الانتقالية باعتبارها مجموعة ثابتة من الإجراءات، وإنما بوصفها مفهومًا تاريخيًا يتغير تبعًا لطبيعة التحولات السياسية، وحدود القوة، والظروف التي تسمح للمجتمع بمواجهة ماضيه.
وتشير تييتل إلى أنها صاغت مصطلح العدالة الانتقالية عام 1991، وهي تراقب التحولات السياسية في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. وقد أرادت من خلاله وصف نوع من العدالة يرتبط بمراحل التغيير السياسي، ويستجيب لإرث الأنظمة القمعية السابقة من خلال أدوات قانونية ومؤسسية تتأثر بطبيعة المرحلة الانتقالية ذاتها.
تكمن أهمية هذه المقاربة في أنها لا تفصل القانون عن السياسة، ولا تفترض أن العدالة تتحرك في فراغ. فالمجتمع الخارج من الاستبداد قد يرغب في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، لكنه قد يجد نفسه أمام مؤسسات ضعيفة، أو أجهزة أمنية ما زالت تحتفظ بنفوذها، أو قوى مسلحة قادرة على تعطيل الانتقال. وقد تتوافر الإرادة السياسية للمحاسبة، بينما تغيب الأدلة أو الإمكانات المؤسسية اللازمة لتحقيقها.
وعلى العكس، قد تتوافر محاكم وقوانين وإمكانات للتحقيق، لكن الإرادة السياسية تظل غائبة، أو تُستخدم مؤسسات العدالة بصورة انتقائية ضد الخصوم. وفي الحالتين، لا يمكن فهم مسار العدالة من دون فهم السياق الذي تتحرك فيه.
ولشرح هذا التطور، تقترح تييتل ثلاث مراحل تاريخية متداخلة، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حقبًا مغلقة يفصل بعضها عن بعض فاصل زمني صارم، وإنما بوصفها أنماطًا لفهم التحولات في تصور العدالة الانتقالية.
تتمثل المرحلة الأولى في إرث ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين برزت المحاكمات الدولية بوصفها وسيلة لمساءلة كبار المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب. وقد حملت هذه المرحلة طموحًا إلى إخضاع القوة السياسية والعسكرية للقانون، لكنها أثارت، في الوقت نفسه، أسئلة عن انتقائية العدالة، وعلاقة المحاكمة بإرادة المنتصرين، وحدود تطبيق القواعد القانونية على أفعال سابقة.
أما المرحلة الثانية، فارتبطت بالتحولات الديمقراطية التي شهدتها دول عديدة في أواخر القرن العشرين، خصوصًا في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية. وفي هذه المرحلة، لم تعد المسألة مقتصرة على محاكمة مرتكبي الجرائم، بل امتدت إلى البحث عن الحقيقة، وإعادة بناء المؤسسات، والتعامل مع إرث أجهزة الدولة القمعية، وتحديد كيفية التوفيق بين المحاسبة ومتطلبات الانتقال السياسي.
وفي المرحلة الثالثة، التي تبلورت في سياق ما بعد الحرب الباردة، اتسع المجال الدولي للعدالة الجنائية، وتزايد الاهتمام بالمحاكم الدولية والوطنية، ومبدأ التكامل بين القضاء الوطني والمحكمة الجنائية الدولية، وبالمسؤولية عن الجرائم الجسيمة في عالم تتجاوز فيه آثار الانتهاكات حدود الدولة الواحدة.
غير أن قراءة تييتل لا تقدم قصة خطية عن تقدم العدالة من مرحلة إلى أخرى، وكأن التاريخ يسير بالضرورة نحو عالم أكثر إنصافًا. إنها تكشف، بالأحرى، عن علاقة متغيرة بين القانون والسياسة؛ فكلما تغيرت الظروف الدولية والوطنية، تغيرت الأدوات التي تستطيع المجتمعات استخدامها لمواجهة الماضي، كما تغيرت حدود ما يمكن تحقيقه وما قد يُضحّى به تحت ضغط الاستقرار أو المصالح السياسية.
ومن هنا، فإن الدرس الأهم في دراسة تييتل ليس حفظ المراحل الثلاث فحسب، بل إدراك أن العدالة الانتقالية تتشكل في المساحة الصعبة الواقعة بين المطالب الأخلاقية للضحايا، والقيود الواقعية للانتقال، والالتزامات القانونية التي لا يجوز اختزالها في حسابات المصالح.
موسوعة ستانفورد للفلسفة: هل يمكن تحقيق السلام من دون عدالة؟
إذا كانت تييتل قد قدمت مدخلًا تاريخيًا لفهم تطور العدالة الانتقالية، فإن مدخل «العدالة الانتقالية» في موسوعة ستانفورد للفلسفة يضعنا أمام أحد أكثر أسئلتها إلحاحًا: كيف يستطيع مجتمع خرج من الحرب أو الاستبداد أن يؤسس نظامًا سياسيًا مستقرًا، فيما لا تزال جرائم الماضي تنتظر الحقيقة والمحاسبة؟
لا يتعامل هذا المدخل مع العدالة الانتقالية باعتبارها مسألة قانونية محضة، بل يدرسها بوصفها مشكلة فلسفية وسياسية تتشابك فيها غايات قد تكون متعارضة في بعض الظروف. فالمجتمع الانتقالي يريد أن يكشف حقيقة ما حدث، وأن يحاسب المسؤولين عن الانتهاكات، وأن يعيد بناء المؤسسات، وأن يضمن الاستقرار، وأن يمنع عودة الحرب. لكن تحقيق هذه الأهداف جميعًا في وقت واحد قد يكون بالغ الصعوبة.
فمحاكمة مسؤولين سابقين قد تواجه مقاومة من شبكات نفوذ ما زالت تمتلك السلاح أو المال أو القدرة على تعطيل الدولة. وإقصاء أعداد كبيرة من العاملين في المؤسسات الأمنية والإدارية قد يحقق مطلبًا مشروعًا في تطهير المؤسسات، لكنه قد يخلق فراغًا إداريًا أو أمنيًا إذا نُفذ بلا معايير واضحة أو خطة واقعية. وقد تسعى حكومة انتقالية إلى إبرام اتفاق سريع لإنهاء الحرب، فتقبل بتأجيل ملفات العدالة، غير أن هذا التأجيل قد يترك الضحايا أمام شعور بأن السلام قد تحقق على حسابهم .
هنا تظهر المعضلة التي تُعرف في الأدبيات باسم (التوتر بين السلام والعدالة)
لكن ما الذي يعنيه هذا التوتر على وجه الدقة؟ هل نحن أمام اختيار حتمي بين سلام يستلزم التنازل عن العدالة، وعدالة لا تتحقق إلا بإطالة الصراع؟ أم أن المسألة أكثر تعقيدًا من هذا التقابل؟
تدفعنا موسوعة ستانفورد إلى النظر إلى هذه المعضلة بوصفها توترًا حقيقيًا بين مطالب أخلاقية وسياسية مهمة، لا مجرد مواجهة بين أصحاب مبادئ أخلاقية من جهة، وسياسيين براغماتيين من جهة أخرى. فقد يعتقد المجتمع، في الوقت نفسه، أن مرتكبي الجرائم يجب ألا يفلتوا من العقاب، وأن حماية السكان من استئناف الحرب واجب لا يمكن تجاهله.
ولا يمكن إسقاط أحد هذين الاعتبارين بسهولة. فالمحاسبة غير المدروسة قد تستفز قوى قادرة على تقويض الانتقال، لكن الإفلات من العقاب قد يضعف شرعية الدولة الجديدة، ويمنح المتورطين في الانتهاكات رسالة مفادها أن القوة تستطيع أن تحمي أصحابها من القانون.
وتبرز هذه المعضلة بوضوح في تجارب تاريخية مختلفة. ففي إسبانيا، ارتبط الانتقال من حكم فرانكو إلى الديمقراطية بفترة طويلة من الصمت الرسمي النسبي عن انتهاكات الماضي، في سياق سعي القوى السياسية إلى تثبيت الانتقال. ثم عادت المطالب المتعلقة بالذاكرة والمقابر والضحايا والمسؤولية التاريخية إلى الواجهة في مراحل لاحقة.
وفي جنوب أفريقيا، ساعدت التسوية السياسية على إنهاء نظام الفصل العنصري، وأُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة لتكشف الانتهاكات وتتيح، وفق شروط محددة، العفو عن بعض الأفعال مقابل الإفصاح الكامل عن الحقيقة. وقد مثل هذا الترتيب محاولة لتجنب استمرار العنف، لكنه لم يُنهِ الجدل حول حدود العفو، ولا حول ما إذا كانت الحقيقة والمصالحة تستطيعان تعويض الضحايا عن غياب العقوبة في بعض الحالات.
هذه التجارب لا تقدم دليلًا على أن التنازل عن العدالة شرط للسلام، ولا على أن المحاكمات وحدها كافية لتحقيقه. إنها تكشف أن المجتمعات تتخذ قرارات مختلفة في ظروف مختلفة، وأن كل خيار يترتب عليه ثمن قانوني وأخلاقي وسياسي ينبغي الاعتراف به ومناقشته.
ومن المهم هنا ألا تتحول الضرورات السياسية إلى مبرر مفتوح لإهدار حقوق الضحايا، وألا يُستخدم شعار العدالة لتبرير سياسات لا تراعي حماية المدنيين أو هشاشة المؤسسات أو احتمال تجدد العنف. فالتحدي الحقيقي هو البحث عن ترتيبات تجعل السلام والعدالة متكاملين قدر الإمكان، وتحدد بوضوح ما تسمح به التسويات السياسية وما لا يجوز أن تتجاوزه.
الحقيقة ليست بديلًا عن العدالة
من القضايا المركزية التي يناقشها المدخل الفلسفي أهمية بناء سجل موثوق للماضي. فالحقيقة ليست مجرد معرفة تفصيلية بما حدث، بل هي شرط لمواجهة الإنكار، ومقاومة إعادة كتابة التاريخ لخدمة أصحاب النفوذ، والاعتراف بمعاناة الضحايا.
وقد تكون المحاكمات إحدى وسائل تثبيت الحقيقة، لكنها ليست الوسيلة الوحيدة ولا تؤدي دائمًا الوظيفة نفسها التي تؤديها لجان الحقيقة. فالمحكمة تنظر في مسؤولية أشخاص محددين عن أفعال تقع ضمن اختصاصها، وفق قواعد الإثبات وضمانات المحاكمة العادلة. أما لجنة الحقيقة، إذا أُنشئت بموجب تفويض مناسب واستقلال فعلي، فقد تستطيع دراسة أنماط الانتهاكات وأسبابها المؤسسية والاجتماعية، والاستماع إلى عدد أوسع من الضحايا والشهود، وكشف جوانب لا يتسع لها نطاق قضية جنائية بعينها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم هذا الاختلاف على أنه مفاضلة مطلقة بين الآليتين. فالحقيقة التي تتوصل إليها لجنة لا تحل تلقائيًا محل الإثبات القضائي، كما أن صدور حكم في قضية معينة لا يعني بالضرورة أن المجتمع قد عرف كامل حقيقة ما وقع خلال سنوات القمع أو الحرب.
ومن هنا تأتي أهمية التكامل بين المسارات المختلفة: التحقيق الجنائي، ولجان الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات. فلكل مسار وظيفته وحدوده، ولا تستطيع آلية واحدة أن تحمل وحدها جميع أعباء الماضي.
وتثير قضية الحقيقة سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل يجوز لمجتمع أن يختار النسيان طريقًا للمصالحة؟
قد يكون تجاوز الأحقاد ضرورة اجتماعية، وقد يختار بعض الضحايا، لأسبابهم الخاصة، عدم المشاركة في مسارات العدالة أو عدم الحديث علنًا عن تجاربهم. لكن احترام هذه الخيارات يختلف عن فرض النسيان على المجتمع، أو إسكات الضحايا، أو حجب المعلومات المتعلقة بالجرائم.
فالنسيان المفروض لا يمحو الماضي، بل قد يتركه يتراكم في الذاكرة الاجتماعية من دون اعتراف أو إنصاف. وقد يشعر الضحايا، حين يرون المسؤولين عن معاناتهم يحتفظون بمواقع النفوذ، بأن الانتقال السياسي لم يشملهم، وأن الدولة الجديدة لا تزال تنظر إلى آلامهم باعتبارها عبئًا ينبغي تجاوزه.
ولهذا لا ينبغي أن تُفهم المصالحة باعتبارها مطالبة الضحايا بالصمت أو المسامحة، ولا أن يُفرض عليهم مسار واحد للتعامل مع تجاربهم. فالمصالحة المستدامة لا تُبنى بإلغاء الحقيقة، بل بإيجاد شروط تسمح بمواجهتها من دون إعادة إنتاج العنف .
الأمم المتحدة: من التجارب المتفرقة إلى إطار دولي متكامل
لم تتطور العدالة الانتقالية في الجامعات ومراكز البحث وحدها. فقد أسهمت الأمم المتحدة، عبر تقاريرها ومبادئها التوجيهية وتجاربها في الدول الخارجة من النزاعات، في نقل النقاش من مستوى الاجتهادات الوطنية المتفرقة إلى إطار دولي يربط العدالة بسيادة القانون وحقوق الإنسان وبناء السلام.
ويُعد تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في 23 أغسطس 2004، بعنوان «سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع»، وثيقة تأسيسية في هذا المجال. فقد تناول التقرير الدروس المستفادة من تجارب المنظمة في المجتمعات المتأثرة بالحروب والانتهاكات، وشدد على ضرورة بناء استراتيجيات متكاملة تستند إلى المعايير الدولية، وتراعي الاحتياجات الوطنية، وتبتعد عن استيراد نماذج جاهزة من دون مراعاة السياق المحلي.
ومن أبرز أفكار التقرير أن العدالة والسلام والديمقراطية ليست أهدافًا متناقضة بطبيعتها، بل يمكن أن يعزز بعضها بعضًا إذا جرى التخطيط لها بصورة متكاملة. فبناء السلام الذي يتجاهل العدالة قد يترك أسبابًا عميقة للنزاع من دون معالجة، بينما قد تفشل إجراءات العدالة إذا نُفذت بمعزل عن إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوفير الأمن والقدرة على إنفاذ القانون.
ولا يعني ذلك أن التوتر بين هذه الأهداف يختفي تلقائيًا، بل يعني أن السياسة العامة ينبغي ألا تفترض استحالة الجمع بينها منذ البداية. فالتخطيط السليم، وتحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وتوفير الموارد، وبناء المؤسسات، والمشاركة المجتمعية، كلها عوامل تساعد على الحد من التعارض وتوسيع فرص التكامل.
ويحذر التقرير كذلك من الاعتقاد بأن إنشاء محكمة أو لجنة أو هيئة جديدة يكفي لتحقيق العدالة الانتقالية. فالمؤسسات لا تعمل في فراغ، وقد تظل عاجزة إذا افتقرت إلى الاستقلال والموارد والحماية السياسية والقانونية. كما أن نجاح الآليات لا يُقاس بمجرد تأسيسها، بل بقدرتها على أداء مهامها، والوصول إلى الضحايا، وتقديم نتائج موثوقة، وتحقيق أثر ملموس في حياة الناس.
ويؤكد هذا المنظور أهمية الملكية الوطنية والمشاركة المجتمعية، لا بمعنى ترك المجتمعات وحدها أمام آثار الانتهاكات، وإنما بمعنى أن تكون لها القدرة الحقيقية على تحديد احتياجاتها والمشاركة في تصميم مسارات العدالة ومراقبة تنفيذها. فالدعم الدولي يمكن أن يوفر الخبرة والموارد والحماية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن المؤسسات الوطنية أو إلى وسيلة لفرض نموذج لا يستجيب لتاريخ المجتمع وتطلعاته.
وفي عام 2023، عززت الأمم المتحدة هذا الاتجاه من خلال المذكرة التوجيهية للأمين العام بشأن العدالة الانتقالية، التي قدمتها بوصفها أداة استراتيجية لخدمة الناس والوقاية من النزاعات وبناء السلام. ويعكس هذا التأطير تطورًا مهمًا في فهم العدالة الانتقالية: فهي ليست مجرد حزمة إجراءات تُفعّل بعد انتهاء الحرب، بل يمكن أن تكون جزءًا من الجهود الأوسع لمنع الانتهاكات، ومعالجة جذور النزاع، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في البلدان التي لم تصل بعد إلى تسوية نهائية، أو التي تتداخل فيها مسارات التفاوض مع استمرار العنف. ففي مثل هذه الحالات، قد تكون مناقشة العدالة الانتقالية جزءًا من عملية السلام نفسها، لا مسألة تُترك إلى أجل غير معلوم بعد توقيع الاتفاق.
لكن إدماج العدالة في عمليات السلام يتطلب حذرًا شديدًا. فالمفاوضات تجري في ظل تفاوتات في القوة، وضغوط زمنية، ومخاوف من انهيار وقف إطلاق النار، وقد تكون الأطراف أكثر استعدادًا للتفاوض على توزيع السلطة منها على حقوق الضحايا. لذلك، يصبح من الضروري ألا يُختزل مستقبل العدالة في تفاهمات النخب وحدها، وأن تظل حقوق المتضررين والمعايير القانونية الدولية حاضرة في تصميم التسوية وتنفيذها.
ما الذي تعنيه هذه الأدبيات لمستقبل السودان؟
إن استحضار تييتل وموسوعة ستانفورد للفلسفة وأدبيات الأمم المتحدة ليس تمرينًا نظريًا منفصلًا عن الواقع السوداني. فالسودان يواجه أسئلة تتصل بجذور طويلة من التهميش والنزاعات والانقلابات والانتهاكات، فضلًا عن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 وما ترتب عليها من خسائر بشرية ونزوح واسع ودمار في المؤسسات والبنية الاجتماعية.
ولا يمكن اختزال الأزمة السودانية في كيفية وقف الحرب، على الرغم من أن وقف القتال وحماية المدنيين يظلان أولوية عاجلة. فالسؤال الأعمق يتعلق بنوع السلام الذي يمكن أن ينشأ بعد الحرب: هل سيكون مجرد اتفاق يوقف المواجهات مؤقتًا، أم فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والمساءلة والمساواة أمام القانون؟
إن تجارب السودان السابقة في اتفاقيات السلام والانتقالات السياسية تكشف أن معالجة بعض مظاهر الصراع من دون التصدي لأسبابه العميقة قد تترك المجال لعودة العنف في صور جديدة. ولا يعني ذلك أن العدالة وحدها تستطيع تفسير النزاع أو إنهاءه، بل إن أي مشروع مستدام للسلام يحتاج إلى معالجة التهميش، وبناء المؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية، وإصلاح قطاعي الأمن والعدالة، والاعتراف بالانتهاكات، وإنصاف الضحايا.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يُفهم الاختيار السوداني باعتباره مفاضلة بين محاكمات شاملة من جهة، ومصالحة بلا مساءلة من جهة أخرى. فالتجربة السودانية تحتاج إلى تصور وطني متكامل يحدد الجرائم التي تستوجب الملاحقة، ويضمن استقلال التحقيق والقضاء، ويعالج حق الضحايا في الحقيقة وجبر الضرر، ويتيح المشاركة الفعلية للمجتمعات المتأثرة، ويضع إصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار في صميم الانتقال.
كما ينبغي أن يراعي هذا التصور تنوع السودان الجغرافي والثقافي والاجتماعي، وألا يفرض على المجتمعات المتضررة آليات لا تعبر عن احتياجاتها. ويمكن أن تتكامل العدالة الجنائية الوطنية والدولية، ولجان الحقيقة، وبرامج التعويض وجبر الضرر، والمبادرات المجتمعية للصلح، شريطة ألا تُستخدم الوسائل التقليدية للمصالحة للتغطية على الجرائم الجسيمة أو حرمان الضحايا من حقوقهم القانونية.
والأهم أن تُصمم هذه المسارات بمشاركة الضحايا، لا بالنيابة عنهم فحسب. فالضحايا ليسوا موضوعًا تتنافس عليه المؤسسات، ولا أرقامًا تُدرج في التقارير؛ إنهم أصحاب حقوق ومصالح مشروعة، وينبغي أن تكون لهم كلمة مؤثرة في تحديد أولويات العدالة، وشكل جبر الضرر، ووسائل حفظ الذاكرة، وضمانات عدم تكرار ما أصابهم.
وإذا كانت الأمم المتحدة تحذر من استنساخ النماذج الجاهزة، فإن الدرس بالنسبة للسودان هو أن الاستفادة من التجارب الدولية لا تعني نقلها حرفيًا، بل فهم أسباب نجاحها وإخفاقها، ثم تطوير صيغة تستجيب للواقع السوداني وتلتزم في الوقت ذاته بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
فالعدالة الانتقالية السودانية لا يمكن أن تكون نسخة من جنوب أفريقيا، أو رواندا، أو أي تجربة أخرى. لكنها تستطيع أن تتعلم من هذه التجارب، وأن تستفيد من الأدبيات القانونية والفلسفية، وأن تبني مسارًا وطنيًا يجمع بين المحاسبة والإنصاف والإصلاح والمصالحة المجتمعية، من دون أن يضحي بحقوق الضحايا باسم الاستقرار أو يجعل العدالة أداة للانتقام السياسي.
العدالة ليست نقيض السلام
تخلص هذه القراءة إلى أن التوتر بين السلام والعدالة ليس وهمًا يمكن تجاهله، لكنه ليس حكمًا نهائيًا يستوجب التضحية بأحدهما. إنه معضلة سياسية وأخلاقية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارتها، وإلى إرادة عامة تعترف بأن السلام الذي لا يعالج إرث الانتهاكات يظل معرضًا للاهتزاز، وأن العدالة التي لا تراعي حماية الناس وإعادة بناء الدولة قد تفقد بعض شروط فعاليتها.
وتعلمنا دراسة روتي تييتل أن مفهوم العدالة الانتقالية يتغير بتغير السياقات السياسية والتاريخية، فيما تنبهنا موسوعة ستانفورد للفلسفة إلى أن المجتمعات الانتقالية لا تتحرك بين خيارات مثالية سهلة، بل تواجه أهدافًا مشروعة قد تتعارض في بعض الظروف. أما أدبيات الأمم المتحدة فتؤكد أن تجاوز هذه المعضلات يتطلب رؤية شاملة، وملكية وطنية حقيقية، ومشاركة للضحايا، وتكاملًا بين الآليات القضائية وغير القضائية.
ولعل الخلاصة الأهم أن العدالة الانتقالية ليست انتقامًا من الماضي، كما أنها ليست دعوة إلى نسيانه. إنها محاولة لتحويل الماضي من عبء مفتوح على الحاضر إلى معرفة ومسؤولية وإنصاف وإصلاح؛ بحيث لا تُترك الجرائم لتصنع مستقبلًا جديدًا من الخوف والإفلات من العقاب.
وإذا كان وقف الحرب هو الخطوة الضرورية لإنقاذ الأرواح، فإن بناء السلام يحتاج إلى ما هو أبعد من توقف إطلاق النار. إنه يحتاج إلى دولة تستطيع حماية مواطنيها، وقضاء مستقل، ومؤسسات خاضعة للقانون، وذاكرة عامة لا تُمحى فيها معاناة الضحايا، ومجتمع لا يُطلب منه أن يختار بين الحقيقة والاستقرار.
من هنا، فإن فهم العدالة الانتقالية لا يكتمل بقراءة تطورها التاريخي أو استيعاب علاقتها بالسلام وحدهما، بل يقتضي التعرف إلى العقول التي أسهمت في بناء هذا الحقل المعرفي، وتحديد الأفكار التي أضافها كل باحث إلى فهم الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر والمصالحة وإصلاح المؤسسات.
وفي المقال المقبل من هذه السلسلة، نقترب من أبرز الباحثين الذين أسهموا في ترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية وتطوير أدواته، وفي مقدمتهم روتي تييتل، ونيل كريتز، وبريسيلا هاينر، وبابلو دي غريف، وغيرهم ممن نقلوا هذا المفهوم من سؤال نظري عن العدالة في زمن التحول إلى مجال واسع للبحث والممارسة، تتقاطع فيه حقوق الضحايا مع مستقبل الدولة وإمكانات السلام المستدام.

