كي لا يموت الضحايا مرتين..
بقلم: أ/ آدم راشد
ليس أشد إيلاماً من أن يخرج الإنسان في طلب رزقه، حاملاً أمله البسيط في أن يعود إلى أسرته بما يسدّ حاجتها، ثم يصبح خبر موته مادةً تتناقلها الأخبار، ورقماً تتنازعه الروايات، وقضيةً تنتظر إجابة قد تطول الطريق إليها. وليس أقسى على ذويه من الفقد وحده، إلا أن يجدوا أنفسهم بعده أمام أسئلة لا يملكون لها جواباً: كيف مات؟ من المسؤول؟ لماذا لم يُحمَ؟ وهل سيعرفون يوماً حقيقة ما جرى؟
هكذا تتجاوز المأساة لحظة وقوعها، وتمتد من موقع الحادث إلى بيوت تنتظر الغائبين، ومن أجساد أصابتها الضربات إلى ذاكرة مجتمع يخشى أن تضيع الحقيقة في ازدحام الأخبار وتنازع المصالح.
في مناطق التعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية، أعادت التقارير المتداولة عن الضربات التي وقعت في يونيو، ثم الحوادث التي أُبلغ عنها في أكتوبر، طرح أسئلة تتجاوز تفاصيل كل واقعة على حدة. فقد اختلفت الروايات بشأن أعداد الضحايا وملابسات ما حدث، وأُثيرت اتهامات بشأن الجهة المنفذة، فيما ظلت الحاجة قائمة إلى تحقيق موثوق يكشف الوقائع، ويميّز ما ثبت مما لا يزال موضع تحقق، ويحدد المسؤوليات وفق القانون.
وليس من الإنصاف أن نستبق نتائج التحقيق، أو أن نحوّل الشك إلى يقين لمجرد أن المأساة تستثير الغضب. لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألا يتحول غياب النتائج إلى سبب للصمت، وألا تصبح صعوبة الوصول إلى الحقيقة مبرراً للتخلي عنها.
فبين التسرع في الاتهام والتأخر في كشف الحقيقة، يوجد طريق واحد لا غنى عنه: تحقيق جاد، وأدلة محفوظة، ومساءلة لا تستثني أحداً متى ثبتت مسؤوليته.
ليست القضية في الذهب، بل في الإنسان
قد يختلف الناس في تقييم التعدين الأهلي، وفي مدى مشروعيته، وفي آثاره الاقتصادية والبيئية والأمنية. وقد تكون هناك حاجة إلى تنظيمه ومكافحة أنشطته غير المشروعة، وحماية الموارد العامة، وضبط الحركة في المناطق الحدودية. لكن أياً من هذه الاعتبارات لا يجوز أن يحجب السؤال الأول: أين الإنسان من كل ذلك؟
إن مخالفة القانون، متى ثبتت، تُعالج بالقانون؛ ولا تتحول إلى إذن مفتوح بتعريض الأرواح للخطر. كما أن مكافحة التهريب أو حماية الحدود لا تعفي أي جهة من الالتزامات القانونية التي تحكم تصرفاتها. فالدولة التي تحترم القانون لا تكتفي بإنفاذه على الأفراد، بل تلتزم به في أفعالها وقراراتها أيضاً.
وليس معنى ذلك أن كل حادث يقع في منطقة حدودية يجعل الدولة مسؤولة عنه تلقائياً، أو أن كل ضرر يلحق بالمدنيين يثبت وحده وقوع جريمة. فالمسؤولية تُحدَّد وفق الوقائع والأدلة والقواعد القانونية المنطبقة. غير أن هذا التحفظ القانوني لا ينتقص من واجب حماية الإنسان؛ بل هو ما يجعل المطالبة بالعدالة أكثر دقة ومصداقية.
فالإنسان ليس تفصيلاً في معادلة الأمن، ولا رقماً هامشياً في حسابات الاقتصاد، ولا عبئاً تتخلص منه المؤسسات حين تتعقد الظروف. إنه الغاية التي تستمد منها السلطة مشروعيتها الأخلاقية، والمعيار الذي ينبغي أن تُقاس به السياسات والقرارات.
الدولة التي تُسأل عن مواطنيها
حين تقع كارثة تمس حياة المواطنين، لا يكون السؤال عن الدولة ترفاً سياسياً، ولا يكون طلب المعلومات خروجاً على واجب احترام المؤسسات. على العكس، إن السؤال عن أداء السلطات هو جزء من معنى الدولة ذاتها؛ فالمؤسسات العامة لا توجد لمجرد إصدار البيانات، وإنما لتؤدي وظائفها، وتحمي الحقوق، وتفسر قراراتها، وتخضع للمساءلة.
ومن حق السودانيين أن يعرفوا ما الذي انتهى إليه التحقيق في حادثة يونيو، وما إذا كانت قد صدرت عنه توصيات، وما الإجراءات التي اتُّخذت لحماية العاملين في المناطق المعنية. ومن حقهم كذلك أن يعرفوا نطاق عمل لجنة تقصي الحقائق التي أُعلن تشكيلها عقب حوادث أكتوبر، وما الذي ستكشفه نتائجها، ومتى يمكن للرأي العام أن يطّلع عليها.
إن إعلان تشكيل لجنة خطوة مهمة، لكنه ليس النتيجة النهائية. فاللجنة تُقاس بقدرتها على جمع الأدلة والوصول إلى الوقائع وتحديد المسؤوليات، وبما يترتب على عملها من إجراءات. وإذا تعذر عليها حسم بعض المسائل، فمن واجبها أن توضح حدود ما توصلت إليه وأسباب ذلك، بدلاً من أن تترك الفراغ مفتوحاً أمام الشائعات والتكهنات.
والشفافية لا تعني نشر كل معلومة مهما كانت حساسة، أو الإضرار بسرية الشهود وسلامة التحقيق. لكنها تقتضي أن يعرف الناس ما يجري، وأن تكون السرية محددة بضرورة حقيقية، لا أن تتحول إلى ستار يحجب القضية بأكملها.
فالدولة لا تفقد هيبتها حين يُسأل المسؤول فيها عن واجبه، بل إن هيبتها تتعزز حين تستطيع الإجابة عن الأسئلة الصعبة، وتصحح أخطاءها، وتُظهر أن القانون ليس خطاباً موجهاً إلى الآخرين وحدهم.
حين يصبح الصمت عبئاً على الحقيقة
في القضايا التي تتداخل فيها الحدود والمصالح السياسية والأمنية، قد تتعدد الحسابات التي تحيط بالحادثة، وقد تتأخر المعلومات لأسباب تتصل بالتحقيق أو العلاقات بين الدول. لكن كل تأخير ينبغي أن تكون له أسبابه الواضحة وحدوده المعقولة؛ لأن الزمن ليس محايداً في مثل هذه القضايا.
فمع مرور الوقت، قد تتبدد آثار مادية، ويصعب الوصول إلى الشهود، وتضيع تسجيلات أصلية، وتفقد الأسر قدرتها على متابعة الإجراءات. وما يبدأ باعتباره انتظاراً مؤقتاً قد يتحول، إن غابت المتابعة، إلى نسيان طويل.
ولذلك فإن واجب السلطات لا يقتصر على معرفة ما حدث، بل يمتد إلى حفظ الأدلة، وتحديد هويات الضحايا، وكشف مصير المفقودين، وتيسير وصول الأسر إلى المعلومات، واتخاذ التدابير المعقولة لحماية المدنيين من المخاطر المتوقعة.
وإذا كشفت الأدلة عن مسؤولية جهة أجنبية، وجب التعامل مع الأمر عبر المسارات القانونية والدبلوماسية المناسبة. وإذا كشفت عن إخفاقات في الحماية أو التحقيق داخل السودان، وجب فحصها ومعالجتها. أما إذا ظلت بعض المسائل غير محسومة، فإن المطلوب هو مواصلة التحقيق، لا ملء الفراغ باتهامات غير مثبتة أو الاكتفاء بإنكار لا تسنده معلومات معلنة.
إن حق الضحايا في الحقيقة لا ينبغي أن يتوقف عند اعتبارات الراحة السياسية، كما أن العلاقات بين الدول لا تُدار على نحو سليم بطمس الوقائع. فالحقيقة، متى جرى الوصول إليها وفق منهج موثوق، تمنح أي موقف قانوني أو دبلوماسي أساساً أقوى من الشكوك المتبادلة.
المجتمع المدني: ذاكرة لا ينبغي أن تنطفئ
حين تضعف المعلومات المتاحة، أو تتأخر الاستجابة الرسمية، يستطيع المجتمع المدني أن يمنع القضية من الاختفاء. ليس بأن يحل محل الدولة أو يصدر أحكاماً باسم القضاء، وإنما بأن يجمع الشهادات، ويحفظ الأدلة، ويتحقق من أسماء الضحايا، ويوثق الأضرار، ويضع الوقائع أمام الجهات المختصة.
وهنا تتكامل أدوار المحامين والأطباء والصحفيين والمنظمات الحقوقية والمجتمعات المحلية. فالشهادة التي تُسجَّل بمهنية، والصورة التي يُتحقق من زمانها ومكانها، والوثيقة التي تُحفظ بطريقة سليمة، قد تصبح جميعها جزءاً من ملف يساعد على كشف الحقيقة. لكن هذا العمل يفقد قيمته إذا بُني على المبالغة أو خلط الوقائع بالاستنتاجات، أو إذا عرّض الشهود وأسر الضحايا لمخاطر كان يمكن تجنبها.
ويمكن للمنظمات السودانية أن تحوّل ما تجمعه من معلومات إلى مذكرات قانونية ومطالب محددة، وأن تخاطب الآليات الوطنية والإقليمية والدولية التي تملك اختصاصاً ذا صلة، وأن تتابع استجابة الجهات المعنية. ولا تتحقق فاعلية المناصرة بكثرة البيانات، بل بوضوح المطالب، ودقة الأدلة، واستمرار المتابعة.
لكن المجتمع المدني يحتاج، كي يؤدي هذا الدور، إلى استقلال يحميه من الاستقطاب. فالضحايا لا ينبغي أن يصبحوا ملكاً لرواية سياسية، والحقيقة لا ينبغي أن تتغير بتغير هوية المتهم. وما يُطلب من جهة من كشف ومساءلة يجب أن يُطلب من أي جهة أخرى إذا ظهرت أدلة تستدعي ذلك.
إن الموقف الحقوقي الجاد لا يبدأ بتحديد من نريد إدانته، ثم البحث عما يؤيد ذلك؛ بل يبدأ بتحديد ما حدث، ثم تتبع الأدلة إلى حيث تقود. وهذه ليست مساواة بين الحقيقة والباطل، وإنما احترام للطريق الذي يجعل المساءلة عادلة وقابلة للصمود.
العدالة التي تمنع المأساة التالية
قد تنتهي التحقيقات إلى تحديد مسؤوليات فردية، وقد تكشف عن إخفاقات مؤسسية، وقد تُظهر الحاجة إلى مراجعة السياسات والإجراءات المتبعة في المناطق الحدودية. وفي كل حالة، ينبغي ألا يقف العمل عند إعلان النتائج.
فالعدالة تشمل محاسبة المسؤولين متى ثبتت مسؤوليتهم، وجبر الأضرار وفق القانون، وتوفير الرعاية للمصابين، ومساندة الأسر، ووضع ترتيبات عملية تقلل المخاطر المستقبلية. كما تتطلب مراجعة ما إذا كانت هناك آليات فعالة للإنذار والاستجابة للطوارئ، وقنوات واضحة لتلقي البلاغات، وتنسيق يتيح الوصول إلى المصابين وحفظ الأدلة فور وقوع الحوادث.
وإذا كانت الوقائع تستدعي تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، فيجب تقييمها وفق تلك القواعد، بما فيها حماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة. أما توصيف الواقعة بأنها جريمة حرب أو غيرها من الجرائم، فيتطلب استكمال عناصرها الواقعية والقانونية، ولا يصح أن يُحسم بالشعارات أو بمجرد فداحة النتائج.
إن ضمان عدم التكرار ليس عبارة تُضاف إلى نهاية التقرير، بل نتيجة تحتاج إلى عمل ومتابعة. فلا معنى لمعرفة أسباب الكارثة إذا لم تُستخدم هذه المعرفة لتصحيح الخلل، ولا معنى للمساءلة إذا ظلت الظروف التي سمحت بوقوع الضرر قائمة دون معالجة.
وهنا يظهر الفارق بين دولة تتعامل مع الكوارث باعتبارها أخباراً عابرة، ودولة تتعامل معها بوصفها اختبارات تكشف ما ينبغي إصلاحه. الأولى تنشغل بإغلاق الملف؛ والثانية تسأل عما يجب تغييره حتى لا يُفتح الملف نفسه مرة أخرى.
كي لا يموت الضحايا مرتين
هناك موت يقع حين تتوقف الحياة، وموت آخر يبدأ حين تُمحى الحكاية، ويضيع الاسم، ويُترك السؤال بلا جواب. والمقصود هنا ليس أن النسيان يساوي الموت، بل أن تجاهل الحقيقة يضاعف معاناة من فقدوا أحباءهم، ويحرم المجتمع فرصة التعلم من المأساة ومنع تكرارها.
إن أسر الضحايا لا تطلب المستحيل حين تسأل عن مصير أبنائها، ولا تتجاوز حدودها حين تطالب بمعرفة ما حدث. إنها تطالب بحق أساسي: أن تُعامل حياة أبنائها باعتبارها ذات قيمة، وأن تُفحص الوقائع بجدية، وألا تصبح قضيتهم رهينة تبدل الاهتمامات أو تعقيدات السياسة.
ولذلك ينبغي أن تظل هذه القضية حاضرة حتى تتضح الوقائع بالقدر الذي تسمح به الأدلة، وحتى تُعرف الإجراءات التي اتُّخذت، وحتى تتوافر للضحايا وأسرهم سبل الإنصاف التي يقررها القانون. لا لأن الغضب ينبغي أن يستمر إلى الأبد، بل لأن العدالة لا ينبغي أن تتوقف قبل أن تؤدي واجبها.
وقد لا تعيد الحقيقة إنساناً إلى الحياة، وقد لا يزيل الحكم القضائي كل الألم، لكنهما يرفضان أن يُترك الموت بلا تفسير، وأن يصبح الضرر بلا مسؤولية، وأن تتحول المعاناة إلى خبر ينتهي بانتهاء دورة النشر.
إن قيمة هذه السلسلة من المقالات ليست في إعادة سرد المأساة، بل في الإصرار على الأسئلة التي ينبغي ألا تسقط بالتقادم في الذاكرة العامة: ماذا حدث؟ ما الذي ثبت؟ من يتحمل المسؤولية وفق القانون؟ ماذا عن حقوق الضحايا؟ وما الذي يجب تغييره لحماية الآخرين؟
تلك أسئلة لا تخص المعدّنين وحدهم، ولا المناطق الحدودية وحدها؛ إنها أسئلة عن معنى الدولة، وحدود السلطة، وكرامة الإنسان، ومكانة العدالة في مجتمع أنهكته الحروب وتراكمت فيه الخسارات.
فحين يخرج الإنسان طلباً للرزق، ينبغي ألا يعود إلى أهله خبراً مجهول التفاصيل، وحين يفقد حياته، ينبغي ألا تفقد أسرته حقها في الحقيقة والجبر معا.
ولعل أصدق ما يمكن أن نرجوه من هذه المأساة ألا تنتهي عند آخر بيان، ولا تُطوى مع آخر خبر، بل أن تترك وراءها أثراً يتجاوز الحزن إلى الفعل، والغضب إلى المساءلة، والوعود إلى ضمانات تحمي الحياة.
فالضحايا لا يحتاجون إلى أن نتذكر أسماءهم فحسب؛ بل يحتاجون إلى دولة لا تنساهم، وعدالة لا تتخلى عنهم، ومجتمع لا يسمح بأن تصبح مأساتهم خبراً قديماً قبل أن تُعرف الحقيقة.

