العدالة لا تكتمل بكشف الحقيقة وحده، بل بتحويلها إلى حماية وإنصاف ومساءلة
بقلم:أ/ آدم راشد
ليست الغاية من كشف الحقيقة أن نعرف كيف وقعت المأساة فحسب، بل أن نفهم لماذا وقعت، وما الذي كان يمكن فعله لتجنبها، وما الذي ينبغي تغييره حتى لا تتكرر. فحين يُقتل مواطنون وهم يسعون إلى كسب أرزاقهم، ثم تتضارب الروايات بشأن ما حدث، وتظل أسر الضحايا في انتظار الإجابات، فإن المسؤولية لا تنتهي عند حدود التحقيق، ولا تكتمل بمجرد تحديد الجهة التي نفذت الهجوم. ثمة سؤال أكبر ينبغي أن يظل حاضراً: ماذا سيتغير بعد هذه المأساة؟
لقد كشفت الحوادث التي شهدتها مناطق التعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية عن حاجة ملحّة إلى معالجة تتجاوز ردود الفعل الآنية. فالتعازي والإدانات وتشكيل لجان التحقيق قد تكون خطوات ضرورية، لكنها لا تكفي ما لم تقُد إلى نتائج واضحة، وإجراءات قابلة للمتابعة، وضمانات عملية لحماية المدنيين. والمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة بشأن المسؤولية، وإنما بناء مسار جاد يبدأ بالحقيقة، ويمر بالمحاسبة وجبر الضرر، وينتهي إلى منع التكرار.
الحماية مسؤولية مستمرة
إن حماية المواطنين ليست واجباً يبدأ بعد وقوع الكارثة، بل مسؤولية مستمرة تقتضي تقدير المخاطر واتخاذ التدابير المعقولة للحد منها. وفي المناطق الحدودية التي يعمل فيها المعدّنون، ينبغي أن تتوافر معلومات واضحة عن المخاطر، وقنوات اتصال فعالة مع السلطات المحلية، وآليات للإنذار والاستجابة للطوارئ، وترتيبات تتيح الوصول إلى المصابين وإجلاءهم عند الضرورة.
ولا يعني ذلك أن الدولة تستطيع ضمان انعدام كل خطر، أو أنها تتحمل تلقائياً مسؤولية كل حادث يقع في نطاقها؛ فالمسؤولية القانونية تُحدد وفق الوقائع والالتزامات المنطبقة وما يثبت من أفعال أو إخفاقات. لكن وقوع حادثة خطيرة، ثم ورود تقارير عن حادثة أخرى بعد أشهر، يبرر مطالبة السلطات بتوضيح ما تعلمته من الواقعة الأولى، وما التدابير التي اتخذتها، وما إذا كانت تلك التدابير كافية في ضوء المخاطر المعروفة.
ومن هنا، فإن نشر نتائج التحقيق السابق، أو توضيح أسباب عدم اكتماله إن كان لا يزال جارياً، يمثل خطوة أساسية. فالرأي العام لا يحتاج إلى وعود جديدة بقدر حاجته إلى معرفة ما حدث للوعود السابقة، وما إذا كانت نتائج التحقيقات قد تحولت إلى إجراءات فعلية.
الحقيقة التي تقود إلى المساءلة
لا يمكن بناء ضمانات تمنع التكرار فوق وقائع مجهولة أو استنتاجات متعجلة. لذلك تظل التحقيقات المستقلة والفعالة أساساً لا غنى عنه، بما تتطلبه من جمع الأدلة، وسماع الشهود، والتحقق من مواقع الضربات، وتحديد طبيعة الأهداف والجهة المنفذة، وفحص مدى الالتزام بالقواعد القانونية ذات الصلة.
فإذا أثبتت الأدلة مسؤولية أفراد أو جهات، وجب اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة. وإذا كشفت عن إخفاقات مؤسسية في الحماية أو الاستجابة أو التحقيق، فإن الإصلاح يقتضي معالجة أسبابها، لا الاكتفاء بمحاسبة شخص واحد وترك الخلل قائماً.
أما إذا تعذر حسم بعض المسائل، فينبغي أن يوضح التقرير ما ثبت وما لم يثبت، وما الأدلة التي تعذر الحصول عليها، وما الخطوات اللازمة لاستكمال التحقيق. فالاعتراف بحدود المعرفة أكثر نزاهة من تقديم رواية نهائية لا تسندها الأدلة.
والعدالة، في هذا السياق، لا تعني العقوبة وحدها. إنها تشمل أيضاً حق الأسر في معرفة مصير أبنائها، وتحديد هويات المتوفين، وتوثيق الإصابات والأضرار، وتوفير الرعاية اللازمة للمصابين، والنظر في التعويض وجبر الضرر حيث تثبت موجباتهما. وقد لا يعيد التعويض ما فُقد، لكنه يمثل اعترافاً بالضرر وخطوة نحو استعادة شيء من الكرامة التي مستها المأساة.
الحدود لا تعفي من المسؤولية
تضيف الطبيعة الحدودية لهذه الحوادث تعقيداً قانونياً وسياسياً، لكنها لا تلغي الحقوق الأساسية للضحايا. فإذا أثبتت التحقيقات أن الضربات نُفذت من جهة أجنبية داخل الأراضي السودانية، فإن ذلك يستدعي بحث المسؤولية وفق الأدلة والقانون، واتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية المناسبة. وإذا أظهرت الأدلة أن المواقع تقع خارج الأراضي السودانية، أو أن وضعها الحدودي يحتاج إلى مزيد من التحقق، وجب التعامل مع المسألة على أساس الخرائط والوثائق والوقائع الفنية، لا الافتراضات والخطابات المتعارضة.
وفي جميع الأحوال، لا ينبغي أن تصبح الخلافات بشأن الحدود أو مكافحة التعدين غير المشروع ذريعةً لإهدار حياة المدنيين أو تجاهل حقوقهم. فوجود مخالفة محتملة لا يحسم وحده مشروعية استخدام القوة، كما أن تحديد المسؤولية يتطلب فحص ظروف الواقعة والقواعد القانونية المنطبقة عليها.
وهنا يمكن للمجتمع المدني السوداني أن يؤدي دوراً مهماً، عبر توحيد جهود المحامين والأطباء والصحفيين والمنظمات الحقوقية وممثلي المجتمعات المتضررة، وتقديم ملف موثق إلى الجهات الوطنية والإقليمية والدولية المختصة. لكن قوة هذا الدور تظل رهينة الاستقلال والدقة؛ فلا اتهام بلا أساس، ولا تنازل عن حق الضحايا في الحقيقة، ولا تحويل للقضية إلى أداة في صراع سياسي.
من رد الفعل إلى سياسة تمنع التكرار
إن ما تحتاج إليه هذه القضية هو انتقال واضح من معالجة كل حادثة باعتبارها واقعة منفصلة إلى وضع آلية مستمرة للتعامل مع المخاطر وحماية العاملين في مناطق التعدين الحدودية. ويمكن أن تشمل هذه الآلية نظاماً لتلقي البلاغات والإنذار المبكر، وتنسيقاً بين السلطات المحلية والجهات الطبية والإنسانية، وإجراءات لحفظ الأدلة فور وقوع الحوادث، وسجلاً موثوقاً للضحايا والمفقودين، وتقارير دورية عن تنفيذ التوصيات التي تصدر عن التحقيقات.
كما ينبغي أن تتوافر جهة معلومة يستطيع الضحايا وأسرهم الرجوع إليها، وتقديم المعلومات والشكاوى، ومتابعة ما يُتخذ بشأنها. فالغموض الإداري، وتشتت المسؤوليات، وانقطاع التواصل مع الأسر، قد يضاعف آثار المأساة حتى بعد توقف الخطر المباشر.
وليس ضرورياً أن تبدأ هذه الإصلاحات بمؤسسات ضخمة أو خطط بعيدة المدى. فقد يكون أول اختبار للجدية هو نشر المعلومات المتاحة عن التحقيقات السابقة، وتحديد المسؤول عن متابعة توصياتها، وإعلان التدابير الوقائية التي اتُّخذت، ووضع جدول زمني واضح لما تبقى من إجراءات. فالثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما حين يرى الناس أن الأسئلة تجد إجابات، وأن الأخطاء تُعالج، وأن الحقوق لا تُترك رهينة النسيان.
أما المجتمع الدولي، فيستطيع دعم هذا المسار من خلال المساعدة الفنية في التوثيق والتحقيق، ومساندة المؤسسات الحقوقية المستقلة، وتوفير الدعم الإنساني للمتضررين، وتشجيع التعاون الذي يتيح كشف الحقيقة ومنع التصعيد. وينبغي أن ينصب هذا الدعم على حماية المدنيين وسيادة القانون، لا على استباق نتائج التحقيق أو تحويل معاناة الضحايا إلى ساحة جديدة للتنافس السياسي.
حتى لا تصبح المأساة موعداً متكرراً
إن الاختبار الحقيقي لأي تحقيق ليس عدد الصفحات التي يتضمنها تقريره، بل أثر نتائجه في حياة الناس. فإذا عُرفت الحقيقة ولم تُتخذ إجراءات للمساءلة حيث تلزم، ظل جزء من العدالة غائباً. وإذا حُددت المسؤوليات ولم يُجبر الضرر، بقيت الأسر تواجه نتائج المأساة وحدها. وإذا عوقب المسؤولون ولم تُعالج أسباب الخلل، فقد يتكرر الحادث في المكان نفسه أو في مكان آخر.
لهذا ينبغي أن تكون الغاية النهائية واضحة: حقيقة يمكن التحقق منها، ومساءلة تستند إلى القانون، وإنصاف للضحايا، وإصلاح مؤسسي، وضمانات عملية لعدم التكرار. وهذه ليست مطالب متعارضة، ولا يجوز تأجيل أحدها إلى أجل غير معلوم بحجة انتظار الآخر؛ بل هي مسارات متكاملة تتقدم بقدر ما تسمح به الوقائع والإمكانات والالتزامات القانونية.
لقد خرج المعدّنون إلى الصحراء طلباً للرزق، لا بحثاً عن الموت. ومن حق أسرهم ألا تُترك بين أرقام متنازعة وروايات متعارضة، ومن حق المجتمع أن يعرف ما جرى، ومن واجب السلطات أن توضح ما اتخذته لحماية المواطنين ومحاسبة المسؤولين متى ثبتت مسؤوليتهم. ولا يمكن لأي دولة أن تستعيد ثقة مواطنيها بمجرد مطالبتهم بالثقة؛ إنما تستعيدها حين تجعل حماية الحياة أولوية، والحقيقة واجباً، والعدالة ممارسةً ملموسة.
فليست العدالة أن نعرف كيف مات الضحايا فحسب، بل أن نجعل من معرفة أسباب موتهم بدايةً لتغيير يحمي الأحياء. وحين تتحول الحقيقة إلى إصلاح، والمساءلة إلى ضمانات، وحقوق الضحايا إلى التزامات لا تسقط بمرور الوقت، تكون المأساة قد فتحت طريقاً نحو منع تكرارها، بدلاً من أن تصبح موعداً جديداً ينتظره الناس بخوف.
الى اللقاء في المقال السابع انشاء الله

