الخميس, يوليو 16, 2026

كتب/ د. إبراهيم البدوي

على مدى أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثًا أكاديميًا تناولت قضايا الحرب والسلام، وأسبابهما، وآثارهما الاقتصادية والسياسية، نُشر معظمها في مجلات علمية محكَّمة أو كفصول في كتب أكاديمية محكَّمة. وانطلاقًا من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً، صغتها بأسلوب أرجو أن يكون ميسورًا للقارئ العام، دون الإخلال بما تستند إليه من معرفة علمية وشواهد تجريبية. وستُنشر هذه المقالات -بإذن الله- تباعًا خلال الأسابيع القليلة المقبلة في عدد من وسائط الإعلام السودانية، مساهمةً متواضعةً في إثراء الحوار الوطني القائم على المعرفة والأدلة، والمستفيد من تجارب الأمم الأخرى ومن التاريخ السوداني نفسه، في معالجة هذه القضايا المصيرية. وتدور هذه المقالات حول أربعة أسئلة رئيسة:

• ما أسباب الحروب الأهلية، وما أبرز آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟

• كيف تنتهي الحروب الأهلية، وكيف يبدأ بناء السلام؟

• كيف تؤدي الحروب الأهلية إلى تدمير الاقتصادات وإضعاف مؤسسات الدولة وتدهور الحوكمة؟

• وما المتطلبات الأساسية لتحقيق إعادة إعمار اقتصادية وسياسية ناجحة ومستدامة بعد انتهاء النزاعات؟

وفي ختام كلِّ مجموعة من هذه المقالات، سأحاول استخلاص أهم الدروس المستفادة بالنسبة للسودان، وربطها بواقع الحرب الراهنة، أملًا في أن تسهم في إثراء النقاش العام حول سبل إنهاء الحرب وبناء سلامٍ عادلٍ ودائم، ووضع البلاد على مسار التعافي والتنمية المستدامة.

ما تخبرنا به عقود من الأبحاث عن النزاعات الهوياتية الاثنية العنيفة والحروب الأهلية بأنه عندما تندلع حروب أهلية في بلد أفريقي، يكون التفسير الذي يُقدم في أغلب الأحيان شبه تلقائي: “أفريقيا ببساطة منقسمة عرقيًا بشكل مفرط”. وغالبًا ما تُصوَّر القبلية والكراهية الموروثة والتنافسات العرقية على أنها أسباب حتمية للعنف. هذا التفسير ليس مبسطًا -فحسب- بل سطحيًا وخاطئًا إلى حدٍّ كبير.

قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا، تصديت وبروفيسور نيكولاس سامبانيس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ييل الأمريكية، لدراسة هذه المسألة بشكل منهجي في مقالنا “لماذا تكثر الحروب الأهلية في أفريقيا؟ فهم النزاعات العنيفة ومنعها” (نورد المرجع الكامل للورقة في نهاية هذا المقال). وبدلًا من الاعتماد على الحكايات أو حالات فرادى البلدان، قمنا بتحليل بيانات من (161) دولة على مدى أربعة عقود لتقدير نموذج العوامل التي تزيد من احتمالية اندلاع الحروب الأهلية.

تحدت هذه الاستنتاجات الكثير من المفاهيم السائدة -ولا تزال ذات صلة حتى اليوم- خاصة في ضوء الحروب المدمرة في السودان والكثير من الدول الأفريقية ومؤخرًا العربية أيضًا في أعقاب ثورات الربيع العربي.

أسطورة “الضغائن القبلية القديمة”:

كانت النتيجة الأولى، وربما الأهم، هي أن التنوع العرقي في أفريقيا ليس السبب الرئيس وراء تعرض القارة لعدد كبير من الحروب الأهلية. قد يبدو هذا مفاجئًا، فأفريقيا هي بالفعل القارة الأكثر تنوعًا اثنيًا وقبليًا في العالم. ومع ذلك، أظهر تحليلنا الإحصائي أن الدول التي تضم العديد من المجموعات الهوياتية ليست بالضرورة أكثر عرضة للحرب الأهلية من غيرها. في الواقع، بعد أخذ العوامل الأخرى في الحسبان، غالبًا ما ثبت أن المجتمعات شديدة التنوع أقل عرضة للصراعات الأهلية واسعة النطاق مقارنة بالمجتمعات التي تهيمن عليها مجموعتان كبيرتان متنافستان أو أكثر من ذلك بقليل.

لماذا؟ لأن تنظيم تمرد على مستوى البلاد يكون في الواقع أكثر صعوبة في المجتمعات شديدة التنوع. يواجه المتمردون صعوبة في حشد الدعم عبر مجتمعات عديدة ذات خلفيات ومصالح مختلفة. على النقيض من ذلك، فإن البلدان المنقسمة إلى مجموعتين أو ثلاث مجموعات كبيرة متنافسة تكون أكثر عرضة للاستقطاب والتعبئة العنيفة. وهذا بدوره يساعد في تفسير سبب ظهور الانتماءات الهوياتية غالبًا في الحروب الأهلية دون أن تكون بالضرورة سببًا في اندلاعها. غالبًا ما تنظم الحركات المتمردة نفسها وفقًا لهذه الانتماءات، لأنها توفر شبكة اجتماعية قوية وحاكمة، وليس لأن الكراهية الاثنية- الثقافية أو الدينية هي المصدر الأصلي للصراع.

الفقر مؤشر تنبؤي أخطر بكثير:

إذا لم تكن الهوية هي السبب الرئيس، فما هو السبب إذن؟ حددت أبحاثنا أربعة عوامل دافعة قوية للحروب الأهلية. أولها هو الفقر. تواجه البلدان الفقيرة خطرًا أكبر بكثير من نشوب صراع عنيف، لأن الكُلفة البديلة للانضمام إلى التمرد منخفضة. وعندما تكون فرص العمل المتاحة للشباب قليلة، ومستوى التعليم محدودًا، والأمل في التقدم الاقتصادي ضئيلًا، يصبح تجنيد الحركات المسلحة أسهل بكثير. وبالتالي، فإن النمو الاقتصادي لا يقتصر دوره على زيادة الدخل فحسب، بل يسهم أيضًا في الحدِّ من الحوافز التي تدفع إلى العنف. ولا تزال هذه الرؤية ذات صلة وثيقة بجميع أنحاء أفريقيا اليوم، حيث لا تزال بطالة الشباب تمثل أحد أكبر التحديات التنموية التي تواجه القارة.

الديمقراطية أكثر أهمية:

ولعل أبرز ما توصلنا إليه، هو أن المؤسسات السياسية لها أهمية تفوق أهمية الدخل. فالدول التي تتمتع بأنظمة سياسية شاملة وديمقراطية كانت أقل عرضة بشكل كبير لخوض حروب أهلية مقارنة بالأنظمة الاستبدادية. وأظهرت المحاكاة التي عرضناها في دراستنا أن توسيع نطاق الحقوق السياسية يقلل من احتمالية اندلاع حروب أهلية في المجتمعات بغض النظر عن مدى تنوعها المجتمعي القبلي وغيره. بل إن الديمقراطية قضت تقريبًا تمامًا على المخاطر المتزايدة المرتبطة بالاستقطاب الهوياتي.

وهذا يشير إلى درس مهم. فالديمقراطية لا تقتصر على إجراء الانتخابات فحسب. بل تتعلق بإنشاء مؤسسات تتيح للمجموعات المختلفة الشعور بأن لها صوتًا مؤثرًا في صنع القرار الوطني. وعندما يثق المواطنون في المؤسسات السياسية، تقل احتمالية أن ينظروا إلى العنف باعتباره السبيل الوحيد لممارسة التأثير.

الموارد الطبيعية يمكن أن تصبح لعنة:

هناك عامل رئيس آخر، وهو الاعتماد على الموارد الطبيعية. فالبلدان التي تعتمد اقتصاداتها بشكل كبير على تصدير النفط أو الماس أو الذهب أو غيرها من السلع الأولية، تواجه مخاطر أعلى لاندلاع النزاعات، لأن هذه الموارد يمكن أن تمول الجماعات المسلحة وتخلق حوافز للاستيلاء على الدولة بالقوة، وكذلك تمكِّن النُظم الشمولية من تمويل حروبها حتى في ظل انهيار مقومات الاقتصاد الإنتاجية والخدمية، كما يحدث الآن في حرب السودان الحالية.

وهذا لا يعني أن الموارد الطبيعية ضارة بطبيعتها. فقد أثبتت كلٌّ من النرويج وبوتسوانا أن ثروة الموارد يمكن أن تصبح نعمة. ولكن يكمُن الفرق في الحوكمة. فحيثما تكون المؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة، تمول الموارد الطبيعية التنمية. أما حين تكون المؤسسات ضعيفة، فغالبًا ما تمول النزاعات. هناك أيضًا حالات شديدة الخصوصية لا يمكن اعتمادها كمرجعية وهي عندما تتوفر وفرة ريعية استثنائية بسبب الموارد النفطية والمعدنية الهائلة وكذلك الصيرورة التاريخية للأنظمة الحاكمة، كما في دول الخليج العربية، في هذه الحالة غالبًا ما تعتمد هذه الأنظمة خيار الإنفاق على التنمية والرعاية الاجتماعية الشاملة كمنهج لبناء شرعية الحكم واستدامته.

تنوع أفريقيا يمكن أن يصبح مصدر قوتها:

ولعل الاستنتاج الأكثر تفاؤلًا في ورقتنا البحثية، هو أن تنوع أفريقيا يمكن أن يصبح ميزةً بدلًا من أن يكون عائقًا. عليه، عوضًا عن النظر إلى التنوع الهوياتي على أنه عقبة، ينبغي للحكومات تصميم مؤسسات سياسية تشجع التعاون بين المجتمعات المختلفة. فالتحالفات الشاملة، وترتيبات تقاسم السلطة، واللامركزية حيثما كان ذلك مناسبًا، والتمثيل العادل، والمؤسسات التي تعمل على بناء التوافق، كلها عوامل يمكنها تحويل التنوع إلى أساس للاستقرار، بدلًا من قمع الاختلافات، تدير الديمقراطيات الناجحة هذه الاختلافات سلميًا.

التنمية والسلام يعززان بعضهما بعضًا:

كما أكدت دراستنا، على أن الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية يعززان بعضهما بعضًا. فالنمو الاقتصادي يخلق فرص العمل، ويقلل من الفقر، ويوسع نطاق الفرص. وتشجع الحرية السياسية الاستثمار، وتحسن الحوكمة، وتتيح للمجتمعات حلَّ النزاعات سلميًا. ويخلق هذان العاملان معًا ما يسميه الاقتصاديون “الدورة الإيجابية”: فالمؤسسات الأفضل تعزز التنمية، والتنمية تقوي الشرعية، والشرعية تقلل من احتمالية العنف.

والعكس صحيح أيضًا. فالحروب والنزاعات تدمر الفرص الاقتصادية، وتضعف المؤسسات، وتفاقم الفقر، مما يزيد من احتمالية وقوع العنف في المستقبل. وتقع البلدان في فخِّ حلقة مفرغة يصعب الخروج منها بشكل متزايد.

الدروس المستفادة بالنسبة للسودان:

هذه النتائج ذات صلة خاصة بالسودان. ففي كثير من الأحيان، وُصفت الحروب المتكررة في السودان بأنها نتيجة حتمية للانقسامات الاثنية والقبلية. ومع ذلك، فإن تاريخ السودان يروي قصة مختلفة. فقد نشأت صراعاته عن عقود من الإقصاء السياسي، والتهميش الاقتصادي، والحكم الاستبدادي، والتفاوت في التنمية الإقليمية، والتنافس على سلطة الدولة والموارد الطبيعية. وغالبًا ما شكلت الانتماءات العرقية هوية المقاتلين، لكنها نادرًا ما كانت السبب الأساسي للحرب.

لذلك، فإن كسر حلقة العنف في السودان يتطلب أكثر بكثير من مجرد التفاوض على وقف إطلاق النار. فهو يتطلب بناء مؤسسات يعتبرها جميع السودانيين شرعية. ويتطلب نموًا اقتصاديًا شاملًا يصل إلى المناطق المهملة. ويتطلب إتاحة الفرص للشباب بدلًا من تركهم عرضة للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة. كما يتطلب تحويل التنافس على السلطة السياسية من صراع عسكري إلى صراع ديمقراطي.

التطلع إلى المستقبل:

لقد مرَّ أكثر من عقدين منذ أن نشرنا هذا البحث، ومع ذلك تظل رسالته الأساسية ذات صلة اليوم كما كانت دائمًا. فأفريقيا ليست محكومة بالصراع بسبب تنوعها. الحروب الأهلية ليست نتاجًا حتميًا للتاريخ أو الثقافة. فهي تنشأ عندما يتضافر كلٌّ من الفقر وضعف المؤسسات والإقصاء السياسي وسوء الإدارة الاقتصادية ليجعل العنف يبدو أكثر جاذبية من المنافسة السلمية.

وهذا يعني أيضًا أنه يمكن منعها. إن أفضل استراتيجية لمنع الحروب في المستقبل لا تكمن في القضاء على التنوع، كما يدعو بعض الجهويين الانفصاليين إلى فصل إقليم دارفور “حتى يرتاح أهل دارفور وبقية أقاليم السودان” -على حدِّ قولهم-. وهنا نتساءل: لقد قيل مثل هذا الزعم عندما سعى نظام الإنقاذ البائد إلى دفع جزء حبيب من بلادنا إلى اختيار الانفصال وتأسيس دولة جنوب السودان، فهل ارتحنا نحن أو أهلنا في الجنوب؟ الحل الناجع والعقلاني هو الاحتفاء بالتنوع وإدارته بحكمة:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:13].

فالاقتصادات المزدهرة، والمؤسسات السياسية الشاملة للجميع، والحكومات الخاضعة للمساءلة، والفرص الواسعة المتاحة للمواطنين، هي أقوى الأسس التي يقوم عليها السلام الدائم. وفي النهاية، السلام ليس مجرد غياب للحرب. إنه نتيجة أنظمة سياسية تسمح للأشخاص ذوي الهويات والمصالح والطموحات المختلفة بالعيش معًا في ظل مؤسسات يعتبرونها جميعًا عادلة.

المرجع:

 

Ibrahim Elbadawi and Nicholas Sambanis. (2000). Why Are There So Many Civil Wars in Africa? Understanding and Preventing Violent Conflict. Journal of African Economies, 9(3), 244–269.

#السودان #صوت_الأمة #نكمل_المشهد

#حرب_السودان #انقذوا_السودان