الأربعاء, يوليو 15, 2026

كتب/ ​مليح يعقوب حماد

الباحث والمتخصص في إدارة التنوع والسياسات الريفية

​مقدمة: في “القبالة المعرفية” واستحقاق النقد الذاتي

​إن قدرة العقل المستنير في “الهامش السوداني” على نقد مُنظّريه وتفكيك خطاباتهم السائدة تمثل ذروة النضج المعرفي؛ فهي تعلن التحرر من “التبعية الوجدانية” لصالح التحليل الرصين. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة تعريف الأزمة السودانية بوصفها “أزمة بنية سلطوية تاريخية” موغلة في القِدَم؛ فبدلاً من اختزالها في “مؤامرة ثقافية” عارضة أنتجتها لحظة الاستقلال، من الأحرى توصيفها بنيةً “مركزية نهرية” قديمة قِدَم النيل، شاركت في صياغتها سيرورات تاريخية طويلة، تواترت منذ الحقبة الكوشية مروراً بالحقبة النوبية، وصولاً إلى تشوهات “دولة 1956”.

​أولاً: جدلية الابتلاع السلطوي للدولة

​لقد أخفقت النخب المتعاقبة (عسكرية كانت أم مدنية) في الحفاظ على “المسافة المقدسة” بين الدولة بصفتها كياناً معنوياً سيادياً ودائماً، وبين الحكومة بصفتها آلية إدارية عابرة؛ مما أدى إلى تذويب المؤسسات القومية في بوتقة الولاءات السلطوية. إن ابتلاع الحكومة للدولة في السودان يتمظهر في الاستيلاء الإداري و”التجريف الراديكالي” للوعي الجمعي، مما أعجز العقل السوداني عن التمييز بين “الوطن” كفضاء للمواطنة، و”النظام” كأداة حكم. ومن رحم هذا الخلط المتعمد، وُلد “الاغتراب الوطني”؛ إذ حين يلحظ المواطن أن مؤسسات الدولة السيادية (كالجيش والقضاء) قد استُحيلت أدوات حزبية أو عرقية تقمعه، فإنه يكفر بكيان الدولة ذاته، مما يمهد الطريق لسيناريوهات التشظي والانهيار.

​ثانياً: هندسة التغبيش وسيكولوجيا “التنميط الوظيفي”

​تأسست دولة الاستقلال في ظل تغييب قسري للوعي، باستثناء “الشرارة التأسيسية” التي أطلقتها حركة “الأنانيا ون” في الجنوب، حين طالبت بالفيدرالية خياراً بنيوياً لإدارة التنوع. لقد برع المركز في هندسة “مداخل تقليدية” لإخضاع الأقاليم عبر “التنميط الوظيفي التعطيلي”؛ فوصف أهل دارفور بـ “أهل التقابة” لعزلهم في فضاء التعبد كي يستفرد هو بالسلطة، ووسم أهل الشرق بـ “أصحاب السيف” اختزالاً لبطولتهم في البعد الفيزيائي، وصنّف الفونج حضارةً بائدة. كما “خدر” إنسان الجزيرة بلقب “أهل المحنة والطيبة” لضمان خضوعه، ووسم كردفان بـ “الغرة أم خيراً جوة وبرة” لتبرير الاستنزاف الجبائي لخيراتها، مما خلق تراتبية تمزق النسيج الوطني وتضمن سيادة المركز.

​ثالثاً: مآلات التآكل.. “التقسيم” كبديل انتحاري عن التغيير الجذري

​إن المتأمل في سيرورة تآكل الدولة يلحظ حقيقة بنيوية؛ وهي أن المركز يفضل خيار “التقسيم” على استحقاق “التغيير الجذري”. إن المركزية السودانية ترفض تبديل جوهرها الإقصائي مهما واجهت من محاولات للتغيير، وهي مستعدة للتضحية بوحدة التراب الوطني في مقابل الحفاظ على امتيازاتها النخبوية.

​لقد علمتنا شواهد التاريخ ــ منذ انهيار الممالك النوبية المسيحية وصولاً إلى انفصال الجنوب ــ أن المركزية حين تُحاصر، لا تنكسر لتتحول إلى ديمقراطية، إنما تنشطر إلى دويلات جديدة تولد وهي تحمل في أحشائها “فيروس الانهيار الذاتي”؛ لكونها تعيد إنتاج ذات الثنائية (مركز/هامش) داخل حدودها الصغيرة (كما حدث في دولة الجنوب الوليدة). والمفارقة هنا هي أن آليات الهامش لتفكيك المركز لم تكن سليمة كفاية؛ إذ درجت على محاربته بـ “أدواته” ذاتها، مما أدى إلى استنساخ البنية التسلطية بدلاً من هدمها.

​رابعاً: وثيقة التحرر.. من “الهوية البيولوجية” إلى “المواطنة الاقتصادية”

​تقتضي الدولة الحديثة فك الارتباط بين العرق والنشاط الاقتصادي. إن رؤيتنا التحررية تقوم على مقولة: “كل من يرعى الإبل فهو أبالي، وكل من يرعى البقر فهو بقاري، وكل من يمارس التجارة فهو جلابي”؛ وهي استراتيجية تهدف إلى:​ كسر وصمة العرق: منع ربط السلوك المهني بقبيلة محددة، لحماية المكونات الاجتماعية من “التجريم الشمولي”.

​إعادة الاعتبار للإنسان المنتج: تحويل الإنسان من “كائن عِرقي” مستهلك للصراعات إلى “كائن اقتصادي” منتج للثروة. ​إجهاض “تكنولوجيا الحكم” الاستعمارية: التي سيّست الأنماط الإنتاجية لتيسير التجييش العاطفي وإجهاض “الوعي الطبقي”؛ فلو توحد المنتج (راعياً ومزارعاً وتاجراً) ضد “الدولة الجابية” لسقط المركز؛ لذا كان لابد من تصوير الصراع نزاعاً (عرب ضد أفارقة) لتفتيت جبهة الكادحين.

​خاتمة: عتبة الميلاد واستعادة عقلانية الدولة

​إن مشروع “إعادة التعريف” هو استرداد لـ “عقلانية الدولة” في مواجهة “ثارات القبيلة”. إن الوعي التاريخي العميق هو الذي سيقودنا لمفهوم “السودانوية الجامعة”؛ التي تعترف بكافة الطبقات التاريخية (كوشية، ومسيحية، وإسلامية) إرثاً حضارياً مشتركاً، لا أدوات للصراع الوجودي. إننا أمام خيار تاريخي: إما الاستسلام لمسلسل “التقسيم والتشظي” الذي ترعاه المركزية الابتلاعية، أو الانتقال إلى رحاب السودانوية التي تضع حداً للدورة المفرغة من الانهيارات التاريخية.