ادفع بالتي هي أحسن
كتب/ د. عبد المحمود أبو
التعصب ظل مقترنًا دائمًا بمراحل التدهور السياسي، والانحطاط الثقافي والاجتماعي. وأن جرثومة التدهور إذا حلت، فإن الوباء يصيب الجميع، المسلمين فيما بينهم، وفي علاقتهم بغير المسلمين.
هذا التعصب يعكس الواقع الذي أفرزه سوء إدارة الدولة، نتيجة لغياب الشورى وتحُّكم سلطة المتغلِّب بعد عهد الخلافة الراشدة، فقد غابت الشورى من ولاية الأمر، وصارت السلطة للمتغلب على شفرات السيوف، وأسنة الرماح، فقتل الأخ أخاه؛ كما فعل المأمون بالأمين، وقتل الابن أباه؛ كما فعل المنتصر بالمتوكل، وقتلت الأم ابنها؛ كما فعلت الخيزران بالهادي. إلى آخره. حتى قال الشهرستاني صاحب “الملل والنحل”: “وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية؛ مثلما سلَّ على الإمامة”.
إنَّ كثيرًا مِن المُتَعصِّبِين الذين تَصَدَّوْا للفتوى في عصرنا هذا يُمكن وصفهم بحفظة النصوص، ولكنهم ليسوا فقهاء، فالفقيه من يمتلك القدرة على استنباط الأحكام من النصوص، مع اعتبار الواقع ومراعاة المقاصد والمآلات. فاستخراجُ الحُكم مجردًا دون مُراعاةِ الواقع وتعقيداته؛ يُوقِعُ صاحِبَه في دائرة التَّعَصُّب، ومن المُنكَرات في هذا العصر إطلاق التُّهَم والأحكام جُزافًا؛ فهذا كافر لأنّه أدلى بتصريح يُخالف هَوى المُفتي، وذاك زِندِيقٌ؛ لأنّه تَبَنَّى فكرة لا يعرف المُفتي كُنْهَها، وآخر مرتدّ لأنّه اتخَذ موقفًا يتعارض مع موقف المفتي. هذه الفتاوى التَّكْفيريّة تدخل في إطار البدعة؛ لأنّه لم يُعرف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أطلق مثل هذه الأحكام بهذه الصورة؛ بل كان نهجُهُ النَّهْي عن التّكفير، قال صلى الله عليه وسلم: “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”.
إنّ دراسة سيرة الرسول القدوة بِعُيون باصرة، ستُعطي نبراسًا يُضئ الطريق للسالكين، وتُبَيِّن سماحةَ الإسلام؛ لأنها ترجمت أحكامه ومقاصده لواقع ملموس، وسوف تساعد المسلمين أن يصرفوا أنظارهم عن نهج التَّشَدُّد والتَّكفير والتَّضييق على الناس، فالإسلام دين الرحمة والتيسير ورفع الاصْر والحرج عن الناس، وهو لا يتصادم مع الفطرة مطلقًا، قال تعالى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ” [الروم:30]، إنّ فهم الرأي الآخر، والفكر الآخر، والاجتهاد المخالف في إطار التنوع، يُعتبر أول خطوة في منهج الإصلاح الداخلي، وتوفير الطاقات المهدرة في الصِّراعات لتوظيفها للنهضة في مجالاتها كافة، المطلوب إسقاط عبارات (كافر وملحد وزنديق وخائن وعميل ومهزوم وخارج… إلخ)، من قاموسنا في مجال الاختلاف الفكري والسياسي، والفقهي، ومطلوب إيجاد مساحة في المجتمع المسلم لقبول الاجتهاد المخالف أو تفهمه على أقل تقدير.
مُجتمع المدينة المنوَّرة كان يتكون من المهاجرين والأنصار واليهود، والمشركين، وقد نَظَّمت العلاقة بين مُكونات المُجتمع صَحيفة المدينة؛ التي تُعتبر أول وثيقة (دستورية): سياسية، وحقوقية، تعترف بالمواطنة، المبنِيَّة على أساس الانتماء الديني والولاء الاجتماعي، لا كما هو شائع في الدول والحضارات البائدة والمعاصرة لصدر الإسلام والنظم السياسية التي جاءت بعده، والأنصار كانوا يتكونون من مجموعتين هما: الأوس والخزرج. وعندما حاول الخصوم الدسَّ بين المسلمين؛ لتفريق كلمتهم، جاء التوجيه القرآني حاسمًا، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (104) وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” [آل عمران:100-105]. نقل الحافظ السيوطي في “الدر المنثور” في سبب نزول هذه الآيات؛ جملة آثار عن بعض الصحابة والتابعين، منها: ما أخرجه ابن اسحق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ. عن زيد بن أسلم قال: مرَّ شاس بن قيس -وكان شيخًا قد عسا في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضِّغن على المسلمين، شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم، وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيلة بهذه البلاد، والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتًى شابًا معه من يهود، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكِّرهم يوم بُعاث، وما كان قبله وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار، ويوم بعاث كان يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظَّفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تَوَاثَبَ رجُلان من الحَيَّيْن على الرَّكْب، أوس بن قيظي، أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلم من الخزرج، فَتَقَاوَلا، ثم قال أحدُهُما لصاحبه: إن شِئْتُم والله رددناها الآن جَذَعة، وغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح، موعدكم الظَّاهِرة -والظَّاهِرة الحَرَّة– فخرجوا إليها، وانضَمَّت الأوْس بعضُها إلى بعض، والخزرج بعضُها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فِيمَن معه من المُهاجرين من أصحابه، حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله، أبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّة وأنا بَيْنَ أَظْهُرِكُم؟ أَبَعْدَ إِذْ هَدَاكُم الله إلى الإسلام، وأكْرَمَكُم به، وَقَطَعَ به عَنكُم أَمْرَ الجَاهِلِيَّة، واسْتَنقَذَكُم به مِنَ الكُفر، وَأَلَّفَ به بينكم، تَرْجِعُون إلى مَا كُنتم عَليه كُفَّارًا، فَعَرَفَ القوم أَنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطان، وَكَيد مِن عدُوِّهم لهم، فَأَلْقُوا السّلاح، وبَكَوا، وعَانَق الرِّجال بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيدَ عدُوِّ الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس، وما صنع: “قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” [آل عمران:98-99]، والآيات الكريمة دعوة قوية إلى توحيد الكلمة، واجتماع الصفّ المسلم على الإسلام.

