
كتب: بروف/ علي رباح
لم تُصمَّ آذان، ولم تُكمَّ أفواه، ولم تجفَّ أقلام قادة المجتمع المدني والرأي العام حيال قضية حرمان الطلاب في مناطق النزاع من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية خلال الدورات السابقة إبان هذه الحرب. حيث كتب وتحدث عدد من قادة الفكر والرأي—على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور الشفيع خضر في صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، والبروفيسور محمد الأمين التوم، والأستاذ ياسر عرمان، والأستاذ الحاج وراق، والدكتور مضوي إبراهيم، والدكتور صديق أمبدة، عن حق التعليم للجميع. كما قدمت العديد من الاجسام المهنية ومنظمات المجتمع المدني، مثل “لجنة المعلمين السودانيين” والمبادرة القومية لدعم امتحان الشهادة السودانية مبادرات للحل. وكانت الأخيرة من أبرز تلك الجهود؛ إذ تواصلت مع أحد منظمات الأمم المتحدة المهتمة بالتعليم ومع طرفي النزاع (حكومة الخرطوم وحكومة نيالا — من باب التوصيف السياسي للأمر الواقع، على نمط حكومة طرابلس وحكومة طبرق، أو حكومة عدن وحكومة صنعاء) في محاولة لإيجاد مخرج ينقذ مستقبل الطلاب. ولقد طرحت المبادرة عدداً من الحلول، أبرزها أن تتولى المنظمة التنسيق على إقامة الامتحانات في مناطق النزاع، أو على ترحيل الطلاب إلى مناطق آمنة، إلا أن المنظمة اعتذرت عن الخيار الأخير مبررةً ذلك بأنها لا تضمن سلامة وأمن الطلاب أثناء تنقلهم، في حين اعتذرت حكومة الخرطوم عن قبول الخيار الأول. كما طُرحت حلول أخرى مثل التأجيل، أو إقامة دورة خاصة بطلاب مناطق النزاع، ولكنها أيضاً لم تجد القبول من حكومة الخرطوم. وبناءً على هذه المعطيات، لم يتبقَّ في الأفق سوى خيارين: إما الانتظار إلى حين أن تضع الحرب أوزارها – وهو أمر قد يحدث غداً أو بعد عقود – أو أن تتحمل حكومة نيالا مسؤوليتها وتعقد الامتحانات. فكان قرارها هو الامتحانات؛ وانطلقت الامتحانات بالفعل في السابع من يونيو 2026، وجلس لها نحو 10 آلاف طالب وطالبة.
إن قرار إقامة الامتحانات قابله تحفظ من بعض المشفقين من الناحية التربوية واعتبارات الأمن والسلامة، إلى جانب معارضة بدوافع سياسية. مهما كانت منطلقات الحملة، فانها اسهمت في احجام عدد كبير من الطلاب من المشاركة وبالتالي لابد من تفكيك الهواجس بكثير من الموضوعية انحيازاً لمصلحة الطلاب وحتي لاتكرر في الدورات القادمة والتى نتمني ان تكون قريباً ليلحق من فاتتهم هذه الفرصة:
الأهلية الأكاديمية: هل أكمل الطلاب المقرر الدراسي أم لا؟ إن هذه الدفعة هي في الأصل دفعة عام 2023، والتي كانت امتحاناتها مقررة في يوم السبت، 10 يونيو 2023، بينما اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 – أي قبل الامتحانات بنحو شهرين فقط، وكان مخطَّطاً للامتحانات التجريبية أن تبدأ في ذات يوم اندلاع الحرب. هذا يعني أن الطلاب كانوا قد أكملوا دراسة المنهج ، ودخلوا مرحلة الاستعداد النهائي. ولابد من الإشارة إلى أن أقرانهم قد امتحنوا سابقاً في مراكز خارج ولايات دارفور وكردفان، سواء في الولايات الأخرى أو في معسكرات اللجوء والمهجر ضمن دورة 2023 المؤجلة التي أُقيمت في 2024، ولم يُطرح عليهم وقتها سؤال الأهلية الأكاديمية. ورغم أن نتائج تلك الدورة شهدت تراجعاً نسبياً في التحصيل، إلا أنه أمر طبيعي ومفهوم في ظل الظروف الاستثنائية للبلاد.
هل تجد النتائج الاعتراف المحلي والعالمي؟ إن معايير الاعتراف الأكاديمي تُبنى أساساً على “موثوقية ومصداقية الإجراءات”. وفي ظل الانقسام الحالي، يرتكز الاعتراف على شقين: الشق الإجرائي والفني: بالرغم من غياب التنسيق المركزى، إلا أن هذه الامتحانات نُفِّذت وفق المنهج الدراسي القومي المجاز، وتحت إشراف معلمين وكوادر تربوية مؤهلة من أصحاب الخبرة الطويلة والصرامة الأكاديمية المعروفة. كما حظيت بمراقبة مجتمعية وإعلامية مستقلة شكلت جدار حماية لضمان نزاهتها الفنية، وهي الخطوة الأولى والأساسية لأي اعتراف مستقبلي. الشق القانوني والدولي (مظلة الطوارئ): تاريخياً، تحمي القوانين والأعراف العالمية حق الشعوب في التعليم أثناء النزاعات عبر ما يُعرف بـ “التعليم في حالات الطوارئ”. وفي مثل هذه الحالات المعقدة، لا تمنح منظمات الأمم المتحدة المهتمة بالتعليم والطفولة اعترافاً سياسياً، ولكنها تقدم “التوثيق المرجعي والاعتماد الفني” لسلامة إجراءات الامتحانات وسجلاتها. هذا التوثيق يمثل السند القانوني والأخلاقي الذي اعتمدت عليه سوابق تاريخية مشابهة في دول مثل (لبنان، الصومال، وأفغانستان) لتسهيل القبول اللاحق للطلاب، وهو ما يفسر البيانات الصادرة مؤخراً من المنظمات الدولية والتي تبارك قيام الامتحانات وتؤكد على حق الجميع في التعليم كأولوية تسبق الخلافات السياسية.
أين يتم قبول الطلاب الناجحين؟ هؤلاء طلاب سودانيون، ومن حقهم الطبيعي والمشروع المنافسة في مؤسسات التعليم العالي بالبلاد. في حالة رفض حكومة الخرطوم بالنتائج ومنع قبولهم، فإن الحلول العملية تتأرجح بين مسارين: المسار المحلي (تحدي الانقسام): طرح صيغة لـ “إدارة مشتركة للجامعات” (على غرار ملفات السيادة المشتركة للبترول) وهو احتمال ضعيف لدرجة العدم. وفي حال غياب هذا التنسيق، ربما يندفع الأمر نحو خيار اضطراري تضع فيه حكومة نيالا يدها على الجامعات الحكومية في مناطق سيطرتها واستيعاب الطلاب بها (والتي تشكل أكثر من 20% من جملة الجامعات الحكومية السودانية بكافة تخصصاتها الطبية والصحية، الهندسية والتكنولوجية، العلوم الأساسية، الإنسانية والتربوية، والزراعية والبيطرية). ورغم أن هذا السيناريو يكرس للانقسام المؤسسي، إلا أنه يظل ملاذاً داخلياً لحفظ مستقبل الطلاب. المسار الدولي والإقليمي (مظلة الطوارئ): هنا تبرز الأهمية القصوى للتوثيق المرجعي والاعتماد الفني الذي تقدمه منظمات الأمم المتحدة تحت مظلة “التعليم في حالات الطوارئ”. هذا الغطاء الدولي يمنح الشهادة الصادرة مشروعية تتجاوز الموقف السياسي الداخلي؛ مما يفتح للطلاب الناجحين مسارات بديلة للمنافسة على المقاعد والمنح الدراسية في الجامعات الإقليمية والدولية التي تعتمد برامج الأمم المتحدة لتعليم الطلاب في مناطق النزاعات.
الا يوجد مهدد لأمن وسلامة الطلاب؟ هذه هواجس حقيقية خاصة لاسر الطلاب ، ومن المؤكد أن لجنة الامتحانات وضعت التدابير اللازمة لتفادي المهددات الأمنية وادارة المخاطر. وتجدر الإشارة انه لاتوجد منطقة آمنة على كامل التراب السوداني اليوم. وقد وقعت بالفعل بعض الحوادث الأمنية أثناء امتحانات بعض الجامعات ولم يسفر عنها سقوط ضحايا، وتم التعامل معها عبر تأجيل امتحانات يوم الحادث كإجراء احترازي، وهو ما يوضح إمكانية إدارة المخاطر ميدانياً وتقليل أثرها.
ما هي ضمانات نزاهة الامتحانات؟ بالنظر إلى تاريخ امتحانات الشهادة السودانية العريق، نجد أنها امتلكت دوماً إرثاً صارماً في التعامل الشفاف مع حالات تسريب الامتحانات منذ سبعينيات القرن الماضي (أبرزها حادثة تسريب الجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو)، وكانت تُعالج فوراً إما بتغيير الامتحانات أو إعادتها . أما حالات مخالفة لوائح الامتحانات (حالات الغش) فمعالجتها تتم لائحياً. ايضا هنالك قضايا اخري مثل دقة التصحيح والرصد. عموماً أن الضمانة لنزاهة الامتحانات هي التقارير الشفافة من الجهات المستقلة التى شهدت سير العملية وبالتالي لايمكن الحكم عليها مسبقاً.

