سودانا _ تقارير
بينما كان عبد الفتاح البرهان يستعد للصعود إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لتمثيل السودان، كانت تقارير وتحقيقات جديدة تعيد إلى الواجهة اتهامات أكثر خطورة: أن الجيش السوداني طور واستخدم أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
لم تعد هذه الاتهامات قائمة فقط على شهادات متفرقة. فقد خلصت الولايات المتحدة إلى أن السودان استخدم أسلحة كيميائية في 2024، وهو ما أدى إلى فرض عقوبات أميركية على السودان. وفي سبتمبر 2026 كشفت تحقيقات صحفية منفصلة عن وثائق وصور ومراسلات قالت إنها تشير إلى وجود برنامج سري داخل الجيش لإنتاج ذخائر محملة بالكلور.
وفي تحقيق آخر قاده مسؤولون سابقون في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحدث ثمانية سودانيين عن وقائع قالوا إنها تتوافق مع التعرض لمواد سامة، بينها حادثة في مصفاة الجيلي قرب الخرطوم في سبتمبر 2024. ووصف التقرير أدلة على روائح غير مألوفة وانبعاثات في الهواء وأعراض تنفسية حادة أصابت نحو 20 عاملاً، إلى جانب تغيرات لاحقة في الغطاء النباتي بالقرب من موقع الهجوم.
وتبقى هذه الأدلة رغم خطورتها، بحاجة إلى تحقيق دولي فني قادر على فحص العينات والذخائر وبقايا الهجمات وتحديد طبيعة المواد المستخدمة ومسؤولية الجهة التي نفذتها. ولم تصدر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حتى الآن حكماً فنياً مستقلاً يثبت بشكل نهائي هذه الوقائع في السودان.
لكن المفارقة السياسية تظل قائمة.
فالبرهان الذي يقود القوات المسلحة السودانية في الحرب ضد قوات الدعم السريع لم يواجه في الأمم المتحدة إجراءً يمنعه من تمثيل بلاده، رغم أن حكومته تنفي اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية وتقول إنها ملتزمة باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. وفي الوقت نفسه تستمر التحقيقات الدولية والصحفية في فحص أدلة تتعلق ببرنامج كيميائي عسكري مزعوم.
وهنا يتحول حضور البرهان في الجمعية العامة من مسألة بروتوكولية إلى اختبار أوسع لطريقة عمل النظام الدولي: كيف يمكن لقائد عسكري تتهم دولته باستخدام سلاح محظور دولياً أن يقف في قلب المؤسسة التي يفترض أن تحاسب على انتهاكات القانون الدولي؟
الإجابة لا تكمن بالضرورة في أن الأمم المتحدة منحت البرهان حصانة من المساءلة. فعضوية السودان في المنظمة وحقه في المشاركة في أعمال الجمعية العامة منفصلان قانونياً عن التحقيق في الجرائم التي قد تكون ارتكبت خلال الحرب. كما أن اتفاقية المقر بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة تنظم دخول الأشخاص المرتبطين بأعمال المنظمة، في إطار علاقة معقدة بين التزامات الدولة المضيفة ومتطلبات الأمن والهجرة الأميركية.
وقد ظهرت هذه المعضلة بوضوح قبل زيارة البرهان، عندما سعت واشنطن إلى استخدام مسألة التأشيرة كأداة ضغط على القيادة السودانية بشأن مقترح لوقف إطلاق النار. وفي المقابل واجهت ضغوطاً للحفاظ على قدرة وفد السودان على المشاركة في أعمال الجمعية العامة.
بالنسبة إلى المدنيين السودانيين تبدو المسألة أكثر مباشرة. فظهور قائد الجيش أمام الجمعية العامة في وقت تتوالى فيه الأدلة والاتهامات بشأن انتهاكات ارتكبتها قواته، يمكن أن يُنظر إليه باعتباره دليلاً على اتساع الفجوة بين المساءلة القانونية والاعتراف الدبلوماسي.
لكن تلك الفجوة هي تحديداً ما يجعل قضية الأسلحة الكيميائية مختلفة عن بقية ملفات الحرب. فالأسلحة الكيميائية ليست مجرد اتهام آخر في سجل طويل من الانتهاكات؛ استخدامها محظور بموجب اتفاقية دولية تكاد تكون عالمية ويتطلب إثباته مساراً فنياً وقانونياً مستقلاً.
وبينما يواصل البرهان التحرك داخل النظام الدبلوماسي الدولي، يبقى السؤال الذي تفرضه الأدلة الجديدة أكثر إلحاحاً: هل يستطيع المجتمع الدولي أن يفصل بين حق دولة عضو في أن تكون ممثلة في الأمم المتحدة ومسؤولية قادتها المحتملة عن استخدام أحد أكثر الأسلحة حظراً في القانون الدولي؟
في السودان لا تزال الإجابة معلقة بين قاعة الجمعية العامة ومختبرات التحقيق الدولي.

