الأربعاء, سبتمبر 30, 2026

سودانا _ تقارير

ليس أكثر دلالة على طبيعة الخطاب السياسي الجديد في واشنطن من أن يعلن الرئيس دونالد ترامب حرباً شاملة على شيء يقول هو نفسه إنه غير موجود كنظام قانوني في الولايات المتحدة.

وفي مقابلة مع الإعلامي غلين بيك، تعهد ترامب بحظر كل ما يتعلق بالشريعة الإسلامية، قائلاً إنها لا تناسب الولايات المتحدة، قبل أن يقر بأن الشريعة لا تُطبق في البلاد وأن ما وصفه بـ«بؤر صغيرة» يظهر أحياناً ويجري التعامل معها.

هنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها. فالدولة التي تمتلك دستوراً وقوانين ومحاكم ومؤسسات تشريعية لا تواجه، بحسب إقرار ترامب نفسه نظاماً قانونياً موازياً اسمه الشريعة. ومع ذلك، يقدم الرئيس القضية كما لو أن البلاد تخوض معركة مع منظومة تتقدم خفية داخل المجتمع الأميركي.

المشكلة، إذن، ليست في وجود الشريعة بقدر ما هي في صناعة الخطر السياسي حولها.

فترامب لا يتحدث عن تعديل قانون محدد ولا عن قرار قضائي يفرض الشريعة، ولا عن مؤسسة حكومية تتبنى أحكامها. بدلاً من ذلك، يستخدم المصطلح كعنوان فضفاض يجمع تحته الدين والهجرة والهوية والتطرف، ثم يضعها جميعاً في مواجهة مفهوم «القانون الواحد» الذي يقول إنه يريد الدفاع عنه.

إنها وصفة سياسية مألوفة: تحديد تهديد يصعب قياسه، توسيع نطاقه ثم تقديم الرئيس باعتباره الحاجز الأخير أمام انتشاره.

ولم يتوقف الأمر عند الداخل الأميركي. فقد استدعى ترامب لندن وباريس باعتبارهما نموذجين لما وصفه بتحول الشريعة إلى «طريقة ثانية للحياة» في خطاب يضع مدناً أوروبية متعددة الثقافات في صورة تحذير للأميركيين. لكن استخدام العواصم الأوروبية كمرآة للخوف لا يجيب عن السؤال الأساسي: أين هو النظام القانوني الذي يقول ترامب إنه يريد القضاء عليه داخل الولايات المتحدة؟

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً في موسم سياسي تتزايد فيه حساسية الهوية الدينية والعرقية. فقد شهدت الأشهر الأخيرة هجمات ترامب على شخصيات سياسية مسلمة أو ذات أصول عربية، من بينهم عبد الرحمن محمد السيد في ميشيغن، والنائبتان رشيدة طليب وإلهان عمر، حيث وصفهم بأنهم «جهاديون» من دون أن يقدم، وفق المعطيات الواردة في التقرير دليلاً يثبت ذلك.

وعندما تُوضع هذه الهجمات إلى جانب خطابه المتجدد حول الشريعة تبدو الصورة أوسع من مجرد موقف تجاه قضية دينية. إنها محاولة لإعادة إدخال الإسلام إلى قلب المعركة السياسية الأميركية بوصفه قضية أمن وهوية، بدلاً من التعامل معه باعتباره أحد المكونات الدينية للمجتمع الأميركي.

وهذه ليست استراتيجية جديدة بالنسبة لترامب. فمنذ حملته الرئاسية الأولى، استخدم خطاباً شديداً تجاه المسلمين والهجرة بما في ذلك دعوته آنذاك إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة. وفي العام الماضي عاد إلى مهاجمة عمدة لندن صادق خان مستخدماً الشريعة مرة أخرى كرمز لما اعتبره تدهوراً في المدينة.

لكن الجديد في التصريح الأخير هو درجة التناقض التي يحملها: رئيس يقول إن الشريعة غير مطبقة في أميركا ثم يتعهد في الجملة نفسها تقريباً بالقضاء عليها بالكامل.

وهذا يكشف وظيفة المصطلح في الخطاب السياسي أكثر مما يكشف عن واقع قانوني. فالخطر السياسي لا يحتاج دائماً إلى أن يكون موجوداً بحجمه الذي يوصف به؛ يكفي أن يُصوَّر على أنه قادم.

وفي السياسة الشعبوية قد تكون هذه هي النقطة الأهم. فبدلاً من أن يبدأ النقاش من مشكلة قائمة ثم يبحث عن حل، يبدأ من الخوف ثم يبحث عن المشكلة التي تناسبه.

لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه خطاب ترامب ليس تطبق الشريعة في الولايات المتحدة؟ بل لماذا تحتاج السياسة الأميركية الآن إلى التظاهر بأن عليها خوض حرب ضدها؟

الإجابة تكمن على الأرجح في الانتخابات والهوية والخوف من الآخر وفي قدرة الخطاب السياسي على تحويل قضية غير موجودة عملياً كنظام قانوني إلى قضية تبدو عاجلة في المخيال العام.

وهكذا تصبح «الشريعة» في خطاب ترامب أقل شبهاً بقضية قانونية وأكثر شبهاً براية سياسية؛ تُرفع في وجه خصوم الداخل وتُستخدم لرسم حدود جديدة بين من يُعرَّفون باعتبارهم «أميركيين حقيقيين» ومن يُدفعون إلى موقع الشبهة بسبب دينهم أو أصولهم.

وفي بلد يفاخر بفكرة أن القانون واحد للجميع تبدو المفارقة الأخيرة أكثر شدة، وقد لا تكون المعركة حول قانون ينافس القانون الأميركي، بل حول من يملك حق تعريف الأميركي ومن يملك حق الوقوف خارجه.