الخرطوم _ متابعات سودانا

في الخرطوم لا تعني عودة بعض السكان إلى أحيائهم بالضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها. ففي أجزاء واسعة من العاصمة أصبح الحصول على مياه الشرب معركة يومية فيما يفاقم انقطاع الكهرباء وتعطل الآبار وارتفاع تكاليف النقل أعباء سكان أنهكتهم أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب.

وفي شرق النيل وصل سعر برميل المياه إلى نحو أربعة آلاف جنيه سوداني وفق تقارير نقلتها وكالة الأنباء الألمانية، بينما تعتمد أحياء مثل الجريف شرق وحي الهدى على آبار داخلية لم تُربط بعد بمصادر المياه الرئيسية القادمة من محطتي بحري والمقرن.

وقال عضو في غرف طوارئ الجريف شرق لإذاعة «دبنقا» إن انقطاع الكهرباء يعطل تشغيل الآبار ما دفع السكان إلى استخدام الطاقة الشمسية بمساعدة مبادرات شعبية ومساهمات من المغتربين والمنظمات. لكن المياه لا تصل بالتساوي إلى جميع الأحياء ويضطر سكان المناطق الأبعد إلى شراء المياه أو نقلها من مناطق أخرى.

وفي أم ضوبان تتخذ الأزمة شكلاً أكثر خطورة، إذ تحتوي بعض الآبار على مياه مالحة وغير صالحة للشرب بينما لا تتوفر مصادر آمنة إلا في نطاق محدود. ويحذر أعضاء غرف الطوارئ من مخاطر انتشار أمراض مرتبطة بتلوث المياه، بينها الكوليرا والإسهالات والدسنتاريا مع دخول موسم الخريف واستمرار ضعف شبكات المياه والكهرباء.

ولا تبدو أزمة النقل أقل قسوة. إذ يشكو سكان ولاية الخرطوم من غياب تعرفة موحدة وترك الأسعار لأصحاب المركبات مع تفضيل بعض السائقين الخطوط الطويلة مطالبين الحكومة بتنظيم القطاع وتشديد الرقابة.

وتكشف هذه الأزمات الوجه الأقل ظهوراً للحرب السودانية: فحتى مع تراجع القتال في بعض المناطق وعودة السكان لا تزال البنية التي تجعل الحياة ممكنة مكسورة. الماء يحتاج إلى مضخة والمضخة تحتاج إلى كهرباء، والكهرباء تحتاج إلى شبكة مستقرة فيما يتحمل السكان كلفة سد كل فجوة بأنفسهم.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل نيسان 2023 قُتل عشرات الآلاف وشُرد ملايين السودانيين بينما يحتاج أكثر من 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.

وفي الخرطوم تبدو هدوء الحرب أقل شبهاً بنقطة وصول منها ببداية معركة أخرى: إعادة بناء مدينة لا يكفي أن تتوقف فيها البنادق بل يجب أن تعود فيها المياه إلى الأنابيب والكهرباء إلى الشبكات والنقل إلى قواعده حتى تصبح العودة إلى الحياة ممكنة فعلاً.