سودانا _ تقارير 

لم يعد السودان بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، مجرد ساحة أخرى من ساحات الصراع الداخلي في أفريقيا. فمع اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وتزايد أهمية البحر الأحمر في الحسابات الأمنية الدولية يتحول البلد تدريجياً إلى نقطة التقاء لشبكات السلاح والتهريب والنفوذ التي تمتد من الخليج واليمن إلى القرن الأفريقي.

وهذا المشهد تظهر إيران وحلفاؤها ولا سيما جماعة الحوثي في اليمن وسط تقارير بحثية واستخباراتية تتحدث عن نقل أسلحة وتقنيات عسكرية وتدريب جماعات سودانية مرتبطة بالإسلاميين ومتحالفة مع الجيش.

وإذا صحت هذه التقارير فإن الأمر لا يتعلق فقط بإمداد طرف سوداني بالسلاح. فالقصة الأوسع هي محاولة بناء شبكة نفوذ تمتد عبر البحر الأحمر، مستفيدة من دولة أنهكتها الحرب وحدود يصعب ضبطها وساحل طويل يقع على مسافة قريبة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

تقول مجلة «فورين أفيرز» إن شبكات المحور المدعوم من إيران بدأت تمتد إلى السودان، فيما تحدثت «سنتشري إنترناشونال» عن وجود متزايد للحوثيين في بورتسودان ومناطق أخرى وعن إرسال عناصر حوثية وإيرانية لتدريب فصائل متحالفة مع الجيش السوداني على تصنيع واستخدام الطائرات المسيّرة.

وتحمل هذه الرواية أهمية خاصة في بلد أصبحت فيه المسيّرات واحدة من أهم أسلحة الحرب. فقد ظهرت طائرة سودانية جديدة تحمل اسم «سفروق»، ورأى خبراء أسلحة أوجه شبه بينها وبين الطائرة الإيرانية «أبابيل-T». لا يثبت التشابه وحده انتقال التكنولوجيا لكنه يصبح أكثر إثارة للاهتمام حين يوضع بجوار سلسلة التقارير التي تتحدث عن نقل الخبرات الإيرانية عبر الحوثيين.

فالطائرة المسيّرة هي السلاح المثالي تقريباً لنموذج النفوذ الذي طورته إيران خلال العقدين الماضيين: رخيصة نسبياً يصعب اعتراضها ويمكن إنتاجها أو تجميعها بعيداً عن قواعد عسكرية كبيرة. والأهم أنها تسمح لطهران بتسليح شركائها من دون إرسال جيش كامل إلى ساحة المعركة.

وهنا يصبح السودان مهماً.

البحر الأحمر قبل بورتسودان 

قد تبدو الحرب السودانية في ظاهرها صراعاً على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع. لكن موقع السودان يضيف طبقة أخرى من التعقيد.

شرق البلاد يطل على البحر الأحمر بالقرب من طرق التجارة الدولية وباب المندب، حيث تتقاطع مصالح إيران والولايات المتحدة ودول الخليج وقوى دولية أخرى. ومن يستطيع بناء موطئ قدم في هذه المنطقة لا يحتاج بالضرورة إلى السيطرة على البحر؛ يكفي أن يمتلك القدرة على تهديده أو التأثير في أمنه.

وهذا ما يجعل شبكات التهريب بين اليمن والقرن الأفريقي ذات قيمة استراتيجية.

وبحسب «شيبا إنتلجنس»، فقد عقد ممثلون عن الحوثيين وجماعات مسلحة سودانية اجتماعات كان أحدثها في يونيو حزيران لبحث طرق جديدة لتهريب الأسلحة عبر البحر الأحمر. وتحدث الموقع عن استخدام جزر قريبة من السواحل الإريترية كمواقع تخزين مؤقتة للأسلحة ومكونات الذخائر وعن مواقع تستخدم لتجميع أجزاء من المسيّرات والصواريخ قبل نقلها إلى السودان.

لكن حتى في عالم الاستخبارات حيث التفاصيل غالباً أكثر إثارة من الأدلة المتاحة ينبغي التمييز بين ما يمكن التحقق منه وما يبقى في دائرة التقدير. فقد أشار الموقع نفسه إلى أنه لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من بعض التفاصيل التي أوردها بشأن قادة حوثيين يعتقد أنهم يديرون عمليات تهريب إلى السودان.

وهذه نقطة مهمة. فوجود مصالح إيرانية في البحر الأحمر أمر واضح وكذلك امتلاك الحوثيين قدرات عسكرية متطورة وشبكات تهريب إقليمية. لكن إثبات كل حلقة في السلسلة التي تصل طهران بالجماعات السودانية يحتاج إلى أدلة مستقلة لا إلى التشابه في الأسلحة أو تقاطع المصالح.

 

إرث العلاقة القديمة

مع ذلك، فإن فكرة التعاون الإيراني ـ السوداني ليست جديدة. فخلال عهد عمر البشير، كان السودان أحد أهم شركاء إيران في أفريقيا وسمحت العلاقة بين البلدين بوجود قنوات سياسية وأمنية وعسكرية واسعة. وكانت جماعات إسلامية سودانية تمتلك بدورها علاقات قديمة مع طهران.

انتهت تلك المرحلة سياسياً بعد سقوط البشير لكن الحرب أعادت إحياء بعض الشبكات القديمة وفق تقارير بحثية، خصوصاً مع عودة الإسلاميين إلى الواجهة داخل معسكر الجيش.

وهنا تتقاطع الحرب الداخلية مع الحسابات الإقليمية. فكلما أصبحت الجماعات المسلحة أكثر اعتماداً على الطائرات المسيّرة والأسلحة الرخيصة أصبحت التكنولوجيا الإيرانية أكثر جاذبية. وكلما ضعف ضبط الحدود أصبح نقل هذه التكنولوجيا أسهل.

إنها معادلة صممتها الحروب الحديثة لصالح الجهات التي لا تحتاج إلى التفوق العسكري التقليدي كي تترك أثراً كبيراً.

 

واشنطن ترى الصورة الأوسع

تبدو الولايات المتحدة أكثر وعياً بهذا التحول. ففي إفادات أمام مجلس الشيوخ في مايو أيار، حذر قادة عسكريون أمريكيون من توسع شبكات إيران ووكلائها في أفريقيا ومن استخدام ممرات بحرية وبرية تمتد من مناطق سيطرة الحوثيين إلى أجزاء من القرن الأفريقي.

كما تحدث مسؤولون أمريكيون عن وصول أسلحة وتقنيات إيرانية إلى جماعات مسلحة في المنطقة بما في ذلك حركة الشباب في الصومال.

هذه التحذيرات تعني أن واشنطن لا تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه مجرد مسرح لهجمات الحوثيين على السفن. بالنسبة إليها هناك شبكة أوسع قيد التشكل تستخدم التهريب والمسيّرات والاتصالات والتدريب لبناء نفوذ إيراني بتكلفة أقل من تكلفة التدخل العسكري المباشر. والسودان بموقعه وحربه المفتوحة يمكن أن يكون إحدى حلقات هذه الشبكة.

 

بورتسودان تحاول تغيير الحسابات

المفارقة أن الجيش السوداني نفسه يبدو مدركاً للكلفة السياسية لهذا الارتباط.

فبحسب تقرير لـ«بلومبرغ» في يونيو حزيران، اتجه الجيش إلى التخلي عن بعض الإمدادات الإيرانية بما في ذلك المسيّرات في محاولة لتحسين فرصه في الحصول على دعم أمريكي وسعودي وإنهاء الحرب.

إذا تأكد هذا التحول فإنه يعكس معضلة حقيقية: فالأسلحة الإيرانية قد توفر للجيش قدرة عسكرية يحتاج إليها في ساحة المعركة لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تجعل علاقاته مع واشنطن والعواصم الخليجية أكثر تعقيداً.

وبذلك يجد السودان نفسه عالقاً بين حاجته إلى السلاح ورغبته في الخروج من الحرب وبين القوى التي تنظر إلى أراضيه وسواحله باعتبارها جزءاً من صراع أكبر.

 

الخطر ليس إيران وحدها

الخطر الأكبر ربما لا يكمن في وجود إيران بحد ذاته، بل في ما تفعله الحرب بالدولة السودانية.

فالدولة الضعيفة تخلق اقتصاداً للحرب واقتصاد الحرب يحتاج إلى طرق تهريب وطرق التهريب تجذب جماعات مسلحة وشبكات إقليمية وهذه الشبكات بدورها تجعل الانسحاب من الحرب أكثر صعوبة.

هكذا يمكن أن يتحول النزاع السوداني من حرب على السلطة إلى بنية دائمة للصراع الإقليمي.

وإذا استمرت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية في التصعيد، فقد يصبح البحر الأحمر أحد الأماكن التي تختبر فيها طهران قدرتها على استخدام وكلائها وشبكاتها من دون الدخول في مواجهة مباشرة.

السودان في هذه الحالة ليس الهدف النهائي بالضرورة. لكنه قد يصبح الورقة التي تستخدمها قوى أكبر في لعبة أوسع.

وهذا هو الجزء الأكثر إثارة للقلق: فكلما طال أمد الحرب لم يعد السؤال فقط من سينتصر في الخرطوم وإنما أي قوى إقليمية ستبني موطئ قدم داخل السودان وما الذي سيبقى من فرص السلام عندما تصبح البلاد جزءاً من شبكة صراعات تمتد من طهران إلى صنعاء ومن باب المندب إلى سواحل أفريقيا.

في النهاية قد لا تكون أخطر نتائج الحرب السودانية هي تلك التي تظهر على خطوط الجبهة. بعضها قد يكون بعيداً عنها في الموانئ والممرات البحرية وشبكات التهريب، حيث تتحول دولة ممزقة إلى قطعة جديدة في رقعة الشطرنج الجيوسياسية للبحر الأحمر.