من الشهادة الفردية إلى ملف قانوني قادر على الوصول إلى العالم
بقلم: أ/ آدم راشد
حين تقع الكوارث، وتتضارب الروايات، وتغيب المعلومات الرسمية المكتملة، لا تكون المأساة في سقوط الضحايا وحده، بل في احتمال أن تضيع الحقيقة معهم. تتناقل وسائل الإعلام أعداداً متباينة، وتنشر المنصات صوراً وشهادات، وتصدر بيانات الإدانة والتضامن، بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وهل يجد الضحايا طريقاً إلى العدالة، أم تطوي الأيام قضيتهم كما طوت قضايا كثيرة من قبل؟
في مأساة المعدّنين السودانيين في مناطق شمال الوادي وجبل العقيدات، تبرز هذه الأسئلة بإلحاح. فقد تعددت الروايات بشأن الضربات الجوية التي أوقعت قتلى وجرحى، واختلفت التقارير في تقدير أعداد الضحايا وتفاصيل الوقائع، فيما ظلت الحاجة قائمة إلى معلومات موثوقة ونتائج تحقيق معلنة تحسم ما يمكن حسمه من الملابسات.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح المجتمع المدني أمام مسؤولية تتجاوز إصدار بيانات الشجب والمطالبة بالتحقيق. فالمطلوب أن يحوّل الشهادات المتفرقة إلى ملف موثوق، والمعاناة الفردية إلى قضية عامة، والمعلومات الأولية إلى أساس قانوني يمكن تقديمه إلى الجهات المختصة داخل السودان وخارجه.
فالحقيقة لا تُحمى بكثرة الاتهامات، وإنما بقدرتنا على إثبات الوقائع.
من الشهادة إلى الحقيقة
إن أول ما يحتاج إليه الضحايا هو من يصغي إليهم، ويحفظ شهاداتهم، ويأخذ معاناتهم على محمل الجد. لكن الإصغاء وحده لا يكفي؛ فلا بد من التحقق مما يُروى، وتمييز ما شاهده الشاهد بنفسه عما نقله عن الآخرين، ومقارنة الشهادات بالمعلومات الطبية والصور والتسجيلات والقرائن المتاحة.
وهنا تتكامل أدوار المحامين والأطباء والصحفيين والمنظمات الحقوقية وممثلي المجتمعات المحلية. فالأطباء يوثقون الإصابات والوفيات في حدود اختصاصهم، والمحامون يحددون الوقائع ذات الصلة بالمسؤولية القانونية، والصحفيون يتحققون من المصادر، وتساعد المنظمات المحلية في الوصول إلى الشهود وأسر الضحايا.
ويمكن لهذه الجهود أن تنتج ملفاً متماسكاً يضم أسماء الضحايا بعد التحقق منها، وشهادات الناجين، والأدلة المادية والرقمية، ومواقع الحوادث وتوقيتها، مع بيان مصادر المعلومات وحدود ما تثبته. ويقتضي ذلك حفظ الصور والتسجيلات الأصلية متى أمكن، والتحقق من زمانها ومكانها، وصون الأدلة من العبث، وحماية هوية الشهود والبيانات التي قد تعرضهم للخطر. فليس كل ما يُنشر على وسائل التواصل دليلاً مكتملاً، وليس كل ما يتعذر التحقق منه كذباً؛ وإنما لكل معلومة وزنها، ولكل دليل حدوده.
والأهم ألا تتحول عملية التوثيق إلى وسيلة لإجبار الشهود على تبني رواية مسبقة، أو إلى سباق لتأكيد اتهام قبل استكمال التحقيق. فالمجتمع المدني الذي ينشد العدالة لا يخدم الضحايا بالمبالغة، بل بمنهج يحفظ الوقائع كما هي، ويكشف ما تثبته الأدلة وما لا تزال بحاجة إلى إثبات.
من التوثيق إلى المساءلة
لكن ما قيمة ملف موثق إذا ظل حبيس الأدراج؟ هنا تبدأ المرحلة الأخرى من المسؤولية المدنية: تحويل المعلومات إلى مطالب قانونية واضحة، وتقديمها إلى الجهات التي تملك صلاحية التعامل معها.
يمكن للمحامين والمنظمات الحقوقية إعداد مذكرات تتناول الوقائع المتحقق منها، وتحدد الأسئلة التي تحتاج إلى تحقيق، وتوضح القواعد القانونية ذات الصلة، وتطالب بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت مسؤوليتهم، وجبر أضرار الضحايا، واتخاذ تدابير تحول دون تكرار المأساة.
وفي قضية المعدّنين، يستطيع المجتمع المدني أن يطالب السلطات السودانية بتوضيح ما انتهى إليه التحقيق في الحادثة الأولى، وما إذا كانت قد صدرت توصيات لمنع التكرار، وما الذي اتُّخذ فعلياً لحماية العاملين في المناطق الحدودية. كما يمكنه متابعة عمل لجنة تقصي الحقائق التي أُعلن تشكيلها عقب حادثة أكتوبر، والمطالبة بنشر نتائجها في الوقت المناسب، مع مراعاة ما قد تتطلبه حماية الشهود وسلامة التحقيق من سرية محددة ومبررة.
ولا يعني ذلك أن غياب المعلومات المنشورة يثبت بالضرورة عدم إجراء تحقيق، أو أن تكرار الحوادث يكفي وحده لإثبات تقصير جهة بعينها. لكنه يجعل المطالبة بالإجابات أمراً مشروعاً وضرورياً. فالمساءلة تبدأ بالسؤال الدقيق، وتستند إلى الدليل، ولا تكتمل بمجرد إعلان النوايا.
ومن هنا، ينبغي أن تتجاوز المناصرة العبارات العامة إلى مطالب قابلة للمتابعة: نشر المعلومات المتاحة عن التحقيقات، وتحديد مصير المفقودين، وتمكين أسر الضحايا من الوصول إلى المعلومات، وحفظ الأدلة، والتحقيق في المسؤوليات المحتملة، وتوضيح الإجراءات الوقائية التي اتُّخذت أو يُعتزم اتخاذها.
ثم تأتي المتابعة؛ فمن حق المجتمع أن يعرف ما إذا كانت الجهات المعنية قد استجابت، وما الإجراءات التي نفذتها، وما المطالب التي لا تزال معلقة. فبيان واحد قد يلفت الانتباه إلى المأساة، لكن المتابعة المنظمة هي التي تمنع القضية من التراجع إلى هامش الاهتمام العام.
حين تصل القضية إلى العالم
لا تقف مسؤولية المجتمع المدني عند حدود السودان، خصوصاً عندما تتصل الوقائع بمناطق حدودية، أو تثار بشأنها مزاعم تتعلق بأفعال منسوبة إلى جهة أجنبية. ففي هذه الحالة، يمكن للمنظمات السودانية أن تتعاون مع المؤسسات الحقوقية الإقليمية والدولية، وأن تقدم المعلومات إلى آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، والآليات الأفريقية المختصة، وفق اختصاص كل جهة وإجراءاتها.
غير أن مخاطبة المؤسسات الدولية ليست غاية في ذاتها، ولا تعني أن مجرد إرسال مذكرة سيؤدي تلقائياً إلى فتح تحقيق أو اتخاذ إجراء. فلا بد من معرفة الجهة المختصة، وطبيعة المعلومات التي تحتاج إليها، والأساس القانوني الذي يمكن أن تستند إليه، والنتيجة المحددة المطلوب الوصول إليها.
أما الحديث عن المحكمة الجنائية الدولية، فيقتضي قدراً أكبر من الدقة؛ فالخطورة الإنسانية للواقعة لا تكفي وحدها لانعقاد اختصاص المحكمة، إذ يخضع ذلك لشروط نظام روما الأساسي، بما فيها الاختصاص الزماني والمكاني أو الشخصي، أو الإحالة التي يجيزها النظام، فضلاً عن سائر شروط الاختصاص وقبول الدعوى.
ولهذا، فإن الدور الأجدى للمجتمع المدني هو بناء ملف مهني يمكن للجهات المختصة فحصه، لا إطلاق وعود بمحاسبة دولية لا تتوافر بعدُ شروطها القانونية. فالقضية القوية ليست تلك التي ترفع أعلى صوت، بل تلك التي تستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها المؤسسات القانونية.
استقلال المجتمع المدني هو مصدر قوته
لكي يؤدي المجتمع المدني هذا الدور، لا بد أن يحافظ على استقلاله عن الاستقطاب السياسي، وألا ينتقي الوقائع وفق هوية الطرف الذي قد تثبت مسؤوليته. فالمعيار الذي يُطبق على جهة يجب أن يُطبق على غيرها، متى توافرت أدلة ذات صلة.
ولا يعني الاستقلال الامتناع عن تسمية الانتهاكات حين تثبت، أو الوقوف على مسافة واحدة من الحقيقة والخطأ؛ بل يعني أن تتناسب الاستنتاجات مع الأدلة، وأن تُصحح الأخطاء عند اكتشافها، وألا تُقدم الادعاءات باعتبارها أحكاماً قضائية. فالمصداقية التي يكتسبها التوثيق المستقل هي رأس المال الحقيقي الذي يسمح للمجتمع المدني بأن يخاطب الضحايا والرأي العام والمؤسسات الدولية بثقة.
كما أن حماية الشهود وكرامة الضحايا ينبغي أن تظل في صميم هذا العمل. فلا يجوز أن تتحول معاناة الأسر إلى مادة للاستهلاك الإعلامي، ولا أن يُنشر اسم شاهد أو تسجيل يكشف هويته من دون مراعاة المخاطر المترتبة على ذلك. إن الغاية من التوثيق ليست جمع أكبر عدد من الصور والروايات، بل حفظ الأدلة على نحو يخدم الحقيقة ولا يضاعف أذى المتضررين.
وقد تبدأ المبادرة الفاعلة بفريق صغير من المحامين والأطباء والصحفيين والناشطين المحليين، يتفق على منهجية موحدة للتوثيق، وآلية آمنة لتلقي الشهادات، وقواعد لحفظ المعلومات ومراجعتها، وخطة لمتابعة المطالب أمام الجهات المختصة. فليس حجم المؤسسة هو ما يصنع أثرها، وإنما جودة عملها واستقلالها واستمرارها.
ألا تصبح المأساة خبراً قديماً
إن أحد أكبر المخاطر التي تواجه قضايا الضحايا هو أن يتراجع الاهتمام بها قبل أن تتضح الحقيقة. فالأخبار تتلاحق، والأزمات تتزاحم، وقد تمر الشهور بينما تظل الأسر تنتظر معرفة مصير أبنائها، وتبقى الأسئلة التي صاحبت الحادثة الأولى بلا إجابات معلنة.
وهنا تتجلى أهمية المجتمع المدني بوصفه حارساً للذاكرة العامة، لا بمعنى إبقاء الجراح مفتوحة، وإنما بمنع طمس الوقائع أو اختفاء القضية من دائرة الاهتمام. فكل شهادة موثوقة، وكل اسم يُثبت، وكل دليل يُحفظ، وكل مطالبة تُتابع، قد يسهم في بناء طريق نحو الحقيقة والإنصاف.
ومع ذلك، لا ينبغي تحميل المجتمع المدني مسؤوليةً هي في الأصل من واجبات الدولة والقضاء. فالمنظمات لا تحل محل سلطات التحقيق، ولا تملك إصدار الأحكام، ولا تعفي السلطات من واجبها في حماية المواطنين وكشف ملابسات الوفيات التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة. لكنها تستطيع أن تراقب أداء المؤسسات، وتقدم ما لديها من معلومات، وتدعم الضحايا، وتطالب بالإجابات، وتمنع أن يصبح الصمت بديلاً عن المساءلة.
إن مأساة المعدّنين السودانيين تستحق أكثر من موجة غضب عابرة، وأكثر من أرقام تتنازعها الروايات، وأكثر من بيانات لا يُعرف ما آلت إليه. إنها تحتاج إلى عمل مدني منظم يجعل الوقائع قابلة للتحقق، والمطالب واضحة، والاستجابة قابلة للمتابعة.
فحين تتعثر الروايات، يصبح التوثيق طريقاً إلى الحقيقة؛ وحين تتأخر الاستجابة، تصبح المناصرة وسيلةً لإبقاء القضية حية؛ وحين يعجز الضحايا عن إيصال أصواتهم، يستطيع المجتمع المدني أن ينقل شهاداتهم من هامش النسيان إلى دائرة المساءلة.
فالحقيقة لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها فحسب، بل إلى من يصون أدلتها، ويحمي شهودها، ويتابع أسئلتها حتى النهاية. والمجتمع المدني لا يصبح صوتاً للحقيقة لأنه يملك الكلمة الأخيرة، بل لأنه يرفض أن تكون الكلمة الأخيرة للصمت.
الي اللقاء في المقال السادس انشاء الله

