من قتلى وجرحى مناطق التعدين إلى العربات والمعدات التي قيل إنها نُقلت عبر الحدود: أسئلة المساءلة وجبر الضرر التي لا يجوز أن تبقى بلا إجابة
بقلم:أ/ آدم راشد
ليست المأساة في أن يفقد الإنسان حياته فحسب، وإنما في أن تُزهق روحه ثم تُترك أسرته تتلمس طريقها وسط الروايات المتضاربة، تبحث عن حقيقة ما حدث، وعن مصير من فقدته، وعن إجابة تضع حداً للأسئلة التي لا تنتهي. وليست الخسارة في أن يفقد الإنسان ممتلكاته وحدها، وإنما في أن يفقدها من دون أن يعرف أين ذهبت، ومن وضع يده عليها، وبأي سند، وما إذا كان سيستطيع استردادها أو الحصول على إنصاف عما لحق به من ضرر.
في مناطق التعدين القريبة من الحدود السودانية المصرية، لا تقف الأسئلة عند عدد القتلى والجرحى الذين سقطوا جراء الضربات التي أُبلغ عنها، ولا عند الجهة التي نفذتها. فهناك، إلى جانب الأرواح التي أُزهقت والأجساد التي أصابها الضرر، روايات عن عربات ومعدات وآلات تعدين قيل إنها نُقلت بوساطة جرارات ومجنزرات عسكرية إلى داخل الأراضي المصرية. وهي ممتلكات يُقال إنها تعود إلى مواطنين سودانيين خرجوا إلى تلك المناطق طلباً للرزق، فإذا بهم يواجهون خسائر لا تتوقف آثارها عند لحظة وقوع الحادثة، بل تمتد إلى مصادر معاشهم ومستقبل أسرهم.
إن هذه الروايات، بما تثيره من أسئلة، تستحق تحقيقاً جدياً لا يقل أهمية عن التحقيق في سقوط الضحايا. غير أن الجدية تقتضي، منذ البداية، التمييز بين ما أُعلن رسمياً، وما ورد في الشهادات والتقارير الصحفية، وما لم يُحسم بعد بأدلة مستقلة. فلا يجوز أن تتحول الشكوك إلى أحكام نهائية، كما لا يجوز أن يصبح غياب الحسم ذريعة لإغلاق الملفات أو تأجيل الإجابة عن أسئلة أصحاب الحقوق.
الحقيقة ليست منّة من السلطة
حين تقع وفيات في ظروف تثير الشكوك بشأن مشروعيتها، فإن واجب التحقيق لا ينحصر في معرفة عدد من ماتوا، بل يمتد إلى كشف ظروف الوفاة وأسبابها، وتحديد ما يمكن تحديده من المسؤوليات، والتحقق من الأدلة التي تتيح فهم ما جرى. ويكتسب هذا الواجب أهمية أكبر حين تتعدد الروايات، أو تتكرر الوقائع، أو تتعلق الحادثة بعمليات عسكرية أو أمنية عابرة للحدود.
وقد شهدت مناطق التعدين المعنية تقارير عن ضربات وقعت في يونيو الماضي، أعقبتها في أكتوبر تقارير عن ضربات جديدة وسقوط قتلى وجرحى. وأعلنت السلطات السودانية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الحادثة الأخيرة. لكن الإعلان عن لجنة، مهما كانت أهميته، لا يمثل في ذاته نتيجة تحقيق، ولا يغني عن إطلاع الرأي العام على ما أمكن إثباته، وما لا يزال قيد الفحص، وما اتُّخذ من إجراءات لحماية المتضررين.
ويقتضي الإنصاف أن نوضح أن اختلاف الأرقام الواردة في التقارير المنشورة بشأن عدد القتلى والجرحى، وعدم توافر حصيلة نهائية مستقلة، يجعلان من الضروري تجنب التعامل مع أي رقم متداول باعتباره حقيقة نهائية ما لم تؤيده عملية تحقق موثوقة. فلكل ضحية اسم وأسرة وحقوق، ولا يجوز أن تتحول معاناتهم إلى أرقام تتنازعها الروايات من دون أن تبذل الجهات المختصة جهداً جاداً للوصول إلى حصيلة موثقة.
إن الحق في الحقيقة ليس مجرد رغبة إنسانية في معرفة ما حدث، بل يرتبط بحماية الحق في الحياة، وبواجبات التحقيق والمساءلة، وبحقوق الضحايا وأسرهم في الوصول إلى المعلومات وسبل الانتصاف. وقد أكدت المعايير الدولية لحقوق الإنسان أهمية التحقيق الفعّال في الوفيات التي يُشتبه في أنها غير مشروعة، كما أرست مبادئ الأمم المتحدة بشأن الانتصاف وجبر الضرر إطاراً لمعالجة الأضرار التي تلحق بالضحايا نتيجة الانتهاكات الجسيمة.
لكن الحقيقة لا تتحقق ببيان مقتضب، ولا بإعلان تشكيل لجنة ثم ترك الأسر والرأي العام في انتظار مفتوح. إنها تتطلب جمع الأدلة، والاستماع إلى الشهود، والتحقق من مواقع الحوادث وتوقيتها، وتوثيق أسماء القتلى والمصابين والمفقودين، والإجابة عن الأسئلة التي يمكن حسمها، مع توضيح ما يتعذر حسمه وأسباب ذلك. وتتطلب كذلك حماية الشهود، وصون الأدلة من العبث أو الإتلاف، وعدم السماح بأن تتحول المعلومات المتعلقة بالضحايا إلى موضوع للتداول غير المسؤول أو الاستغلال السياسي.
الممتلكات المفقودة: ملف آخر لا يجوز إغفاله
إلى جانب التحقيق في الوفيات والإصابات، تبرز قضية الممتلكات والمعدات التي قيل إنها نُقلت من مناطق التعدين إلى داخل الأراضي المصرية. وقد أعلنت القوات المسلحة المصرية في يونيو ضبط مركبات ومعدات وآلات مرتبطة، بحسب بيانها، بأنشطة التعدين غير القانوني. كما تناولت تقارير صحفية لاحقة ملابسات العمليات والتحركات التي أعقبتها. غير أن هذه المعلومات، في صورتها المنشورة، لا تكفي وحدها لإثبات أن جميع المعدات التي يتحدث عنها أصحاب المطالبات هي نفسها المعدات المضبوطة، ولا لتحديد ملكية كل قطعة منها، أو ظروف نقلها، أو مصيرها القانوني النهائي.
وهنا تحديداً تبدأ الحاجة إلى التحقيق والتوثيق.
فإذا كانت المعدات قد نُقلت بالفعل من مواقع التعدين إلى داخل الأراضي المصرية، فمن حق أصحاب المطالبات أن يعرفوا أين توجد، وأي جهة تتولى حيازتها، وما الأساس القانوني الذي استندت إليه في ضبطها أو نقلها أو الاحتفاظ بها. وإذا كانت قد أُحيلت إلى جهة قضائية، فمن المهم معرفة الإجراءات التي يستطيع أصحابها اتباعها لإثبات ملكيتهم والمطالبة باستردادها، متى كان الرد جائزاً قانوناً. وإذا كانت قد فُقدت أو تلفت أو جرى التصرف فيها، فإن ذلك يثير أسئلة إضافية بشأن المسؤولية عن الضرر وسبل جبره.
وليس من المقبول أن يُختزل هذا الملف في وصف عام للمعدات بأنها أدوات مستخدمة في التعدين غير المرخص، ثم يُترك أصحابها من دون معرفة مصيرها. فقد يكون لبعض هذه المعدات وضع قانوني يحتاج إلى فحص، وقد تكون هناك مخالفات تتعلق بالتعدين أو الدخول إلى مناطق محظورة تستوجب النظر وفق القانون المختص. لكن وجود مخالفة محتملة لا يجيب تلقائياً عن سؤال الملكية، ولا يحسم مشروعية كل إجراء اتُّخذ بشأن الممتلكات، ولا يسقط حق أصحابها في معرفة ما جرى والاعتراض على الإجراءات التي يرونها مخالفة للقانون.
إن ضبط الممتلكات، ومصادرتها نهائياً، والاحتفاظ بها مؤقتاً كأدلة، ونقلها لأسباب أمنية، والاستيلاء عليها من دون سند قانوني، ليست أوصافاً مترادفة. ولكل حالة طبيعتها وشروطها وآثارها. ومن ثم، فإن تحديد ما وقع بالفعل لا بد أن يسبق إطلاق أي وصف قانوني نهائي عليه.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح هو: هل أُعدّ جرد رسمي للمركبات والمعدات التي جرى ضبطها أو نقلها؟ وهل يتضمن هذا الجرد أوصافها وأرقامها التعريفية، وأماكن العثور عليها، والجهات التي تسلمتها، والقرارات التي استندت إليها إجراءات الضبط؟ وهل جرى التحقق من أصحابها، وإتاحة سبيل قانوني لهم لتقديم مطالباتهم؟
إن هذه ليست تفاصيل إدارية ثانوية؛ إنها جوهر المساءلة عندما يتعلق الأمر بممتلكات أشخاص قد تكون تلك المعدات مصدر رزقهم الوحيد.
من يتحمل المسؤولية؟ سؤال لا يُحسم بالافتراض
إن المطالبة بالمساءلة لا تعني افتراض مسؤولية جهة بعينها قبل التحقق من الوقائع. فإذا ثبت أن قوة عسكرية أو جهة حكومية نقلت ممتلكات خاصة أو احتجزتها، فإن تحديد المسؤولية يتطلب معرفة الجهة التي قامت بالفعل، والظروف التي أحاطت به، والأساس القانوني الذي استندت إليه، وما إذا كان التصرف متوافقاً مع الالتزامات القانونية الواجبة التطبيق.
وإذا تبين أن ممتلكات خاصة نُقلت أو احتُجزت من دون مسوغ قانوني، أو جرى التصرف فيها على نحو يخالف القانون، فقد تنشأ مسؤولية تستوجب المعالجة القانونية المناسبة، وقد يترتب عليها رد الممتلكات أو جبر الضرر، بحسب الوقائع والقواعد المنطبقة. أما إذا كان الضبط قد تم وفق إجراءات قانونية، فإن ذلك يقتضي أيضاً التحقق من احترام حقوق أصحاب الممتلكات، ومن وجود إجراءات تتيح لهم الاعتراض والمراجعة واسترداد ما يجوز استرداده.
وإذا ثبت أن الوقائع ترتبط بنزاع مسلح وتنطبق عليها قواعد القانون الدولي الإنساني، فإن حماية الممتلكات المدنية تثير مسائل قانونية إضافية. وقد يثير الاستيلاء على الممتلكات أو نهبها أو تدميرها، بحسب الظروف والعناصر التي تثبتها الأدلة، مسؤولية قانونية أو جنائية. لكن لا يجوز وصف كل عملية ضبط بأنها نهب، أو إعلان وقوع جريمة حرب لمجرد أن معدات نُقلت عبر الحدود؛ فلكل وصف قانوني عناصره وشروطه، ولا بد من إثباتها.
وبالمثل، فإن مسؤولية الدولة عن فعل غير مشروع لا تتطابق مع المسؤولية الجنائية الفردية. فقد تنشأ مسؤولية دولية للدولة إذا ثبت أن سلوكاً يُنسب إليها خالف التزاماً دولياً واجب التطبيق، بينما تتطلب المسؤولية الجنائية الفردية إثبات عناصر الجريمة ونسبتها إلى الشخص المعني وفق المعايير القانونية ذات الصلة.
وهذا التمييز ضروري، لا لتخفيف المساءلة، بل لجعلها قابلة للإثبات والمحاسبة. فالضحايا لا يحتاجون إلى اتهامات واسعة يصعب اختبارها، وإنما إلى تحقيق يحدد الوقائع، ويكشف ما يمكن كشفه من المسؤوليات، ويفتح الطريق أمام إجراءات قانونية جدية.
مسؤولية السلطات السودانية: حماية الحقوق ومتابعة مصير الممتلكات
إن احتمال وقوع الضرر بفعل جهة خارجية لا يعفي السلطات السودانية من واجب متابعة القضية، كلٌّ في حدود اختصاصه والتزاماته القانونية. فمواطني الدولة الذين فقدوا ذويهم أو أصيبوا أو فقدوا ممتلكاتهم يحتاجون إلى جهة تستطيع تلقي شكاواهم، وتوثيق خسائرهم، ومخاطبة الجهات المعنية، والسعي إلى الحصول على المعلومات اللازمة، وتيسير سبل الانتصاف المتاحة لهم.
ومن هنا، يصبح من المشروع أن يُسأل المسؤولون السودانيون: هل حُصرت الممتلكات التي أُبلغ عن فقدانها أو نقلها من مناطق التعدين؟ وهل جُمعت إفادات أصحابها والشهود الذين قالوا إنهم رأوا عمليات النقل؟ وهل طلبت السلطات رسمياً من الجانب المصري قوائم بالمركبات والمعدات التي أعلن ضبطها؟ وهل تلقت إجابات بشأن ملكيتها ومواقع وجودها والإجراءات القانونية المتخذة حيالها؟ وهل أُدرجت هذه الخسائر في التحقيقات التي أُعلن عنها، أم اقتصر الاهتمام على الوفيات والإصابات؟
كما ينبغي أن يتضح للرأي العام ما إذا كانت السلطات السودانية قد أنشأت آلية لتلقي مطالبات المتضررين، وتوثيق الممتلكات المفقودة أو المتضررة، والتحقق من ملكيتها، وتقدير الخسائر التي لحقت بأصحابها. وإذا كانت هناك إجراءات قائمة بالفعل، فإن إعلانها وتوضيح كيفية الوصول إليها من شأنه أن يساعد المواطنين على ممارسة حقوقهم بدلاً من تركهم يتنقلون بين الجهات المختلفة بحثاً عن إجابة.
ولا يعني ذلك أن السلطات السودانية مسؤولة تلقائياً عن نقل المعدات إذا ثبت أن جهة أخرى قامت بذلك. فالمسؤولية عن الفعل الأصلي مسألة، وواجب السلطات الوطنية في تلقي شكاوى مواطنيها ومتابعة حقوقهم والاستجابة للمخاطر مسألة أخرى. ولكل منهما أساسه القانوني والوقائعي الذي ينبغي فحصه بصورة مستقلة.
إن الدولة التي تسعى إلى حماية مواطنيها لا تكتفي بأن تعلن أنها تتابع القضية، بل توضح ما الذي تابعته بالفعل، وما المعلومات التي حصلت عليها، وما الخطوات التي اتخذتها، وما الذي لا يزال ينتظر إجابة. فالشفافية هنا ليست ترفاً إعلامياً؛ إنها وسيلة عملية لبناء الثقة وتيسير الإنصاف.
وجبر الضرر لا يقتصر على التعويض المالي
حين نتحدث عن حقوق الضحايا، ينبغي ألا نحصر الإنصاف في محاسبة المسؤولين، وإن كانت المساءلة قد تكون ضرورية لمنع الإفلات من العقاب. فالعدالة تقتضي أيضاً النظر إلى ما لحق بالناس من أضرار، وإلى ما يحتاجونه لاستعادة قدر ممكن من حياتهم وكرامتهم.
قد يكون الضرر فقدان أحد أفراد الأسرة، أو إصابة جسدية تحتاج إلى علاج طويل، أو صدمة نفسية، أو فقدان مصدر الدخل، أو تدمير عربة كانت وسيلة نقل وعمل، أو اختفاء آلة استُثمرت فيها مدخرات سنوات. وقد تتداخل هذه الأضرار في الأسرة الواحدة، بحيث تفقد الأسرة المعيل ومصدر الرزق في وقت واحد.
ولهذا، فإن أي مسار جاد لجبر الضرر ينبغي أن يتيح توثيق الأضرار البشرية والمادية معاً. وقد يشمل، وفق ما تثبته الوقائع والأسس القانونية ذات الصلة، التعويض عن الخسائر، وإعادة الممتلكات التي يجوز ردها، والرعاية الطبية والتأهيلية للمصابين، والاعتراف بالضرر الواقع على الضحايا وأسرهم، وتوفير المعلومات بشأن مصير المفقودين، واتخاذ تدابير تضمن عدم تكرار الانتهاكات.
ولا ينبغي أن يكون التعويض وعداً سياسياً يسبق التحقق، كما لا ينبغي أن يصبح التحقق شرطاً لتعطيل المساعدة الإنسانية العاجلة. فالعلاج والإسعاف ومساعدة الأسر في البحث عن المفقودين وتوثيق الوقائع يمكن أن تبدأ قبل اكتمال تحديد المسؤولية النهائية. أما التعويض القانوني، فيحتاج إلى مسار واضح يحدد أساس المطالبة، والأضرار القابلة للجبر، والجهة المختصة بالنظر فيها.
وإذا كانت بعض المعدات لا تزال موجودة لدى جهة رسمية، فإن معرفة مكانها ووضعها القانوني قد تكون الخطوة الأولى نحو ردها. وإذا كانت قد تلفت أو فُقدت أو جرى التصرف فيها، فإن توثيق ذلك يتيح تقييم المطالبة بشأن الضرر. أما إذا كانت ملكيتها محل نزاع، فينبغي أن تتاح لأصحاب المطالبات فرصة تقديم ما لديهم من أدلة، مع التحقق من الادعاءات بصورة مهنية ومنصفة.
من التوثيق إلى المساءلة: ما الذي ينبغي عمله الآن؟
إن تعدد الأسئلة لا ينبغي أن يقود إلى الاستسلام أمام تعقيد القضية، بل إلى تنظيم الجهود للوصول إلى إجابات قابلة للتحقق.
وأولى الخطوات المطلوبة إعداد سجل موحد للضحايا والخسائر، يشمل أسماء القتلى والمصابين والمفقودين، ومعلومات عن ظروف الحوادث، والممتلكات المفقودة أو المتضررة، وأوصاف المعدات والعربات، وأسماء أصحاب المطالبات، والشهادات المتاحة بشأن نقل الممتلكات أو ضبطها. وينبغي أن تُراعى في إعداد هذا السجل سلامة الشهود، وحماية البيانات الشخصية، وعدم نشر معلومات قد تعرض المتضررين أو أسرهم للخطر.
ويجب أن يستند التوثيق إلى منهج واضح يميز بين شهادة شاهد عيان، ومعلومة منقولة عن شخص آخر، وبيان رسمي، وصورة أو تسجيل جرى التحقق من مصدره وتاريخه ومكانه، ونتيجة توصل إليها تحقيق مختص. فليس كل ما يُنشر دليلاً مكتملاً، لكن كل معلومة ذات صلة يمكن أن تكون نقطة بداية للتحقق إذا حُفظت بطريقة سليمة وأمكن فحصها.
كما ينبغي أن يُتاح لأصحاب الممتلكات تقديم إفاداتهم ومطالباتهم، حتى إن لم تكن بحوزتهم جميع الوثائق التي قد تُطلب عادة لإثبات الملكية. فقد تساعد سجلات الشراء، والصور السابقة للمعدات، وأرقامها التعريفية، وشهادات الشركاء والعمال، وغيرها من الأدلة المتاحة، في تكوين صورة أكثر اكتمالاً. ولا يغني ذلك عن التحقق، لكنه يمنع أن تتحول صعوبة الحصول على المستندات إلى سبب لاستبعاد المطالبات من البداية.
وعلى السلطات المختصة أن توضح مسار التحقيق، والجهات المسؤولة عن متابعة كل جانب من جوانبه، والآليات المتاحة لتلقي المعلومات والشكاوى. كما ينبغي أن تتعاون الجهات المعنية، وفق القانون، في التحقق من مصير الممتلكات التي قيل إنها نُقلت عبر الحدود، وأن تُعلن النتائج التي يمكن نشرها من دون الإضرار بحقوق الأفراد أو بسلامة الشهود أو بإجراءات قضائية جارية.
أما المجتمع المدني والجهات الحقوقية، فيمكنها أن تؤدي دوراً مهماً في مساعدة الضحايا على توثيق خسائرهم، وتقديم مطالباتهم، وفهم الخيارات القانونية المتاحة لهم. لكن عليها أيضاً أن تلتزم بالدقة، وألا تنشر أسماء أو بيانات حساسة دون مراعاة السلامة والخصوصية، وألا تستبدل التحقيق المستقل بأحكام مسبقة.
العدالة تبدأ من الاعتراف بحقوق الناس
إن ما جرى في مناطق التعدين لا ينبغي أن يتحول إلى واقعة عابرة تتراجع أخبارها كلما ظهرت أزمة جديدة. فالأسر التي فقدت أبناءها لا تستطيع أن تطوي الصفحة لمجرد أن التغطية الإعلامية انتقلت إلى موضوع آخر، وأصحاب الممتلكات التي فُقدت أو نُقلت لا يستطيعون استعادة مصادر رزقهم بمجرد انتهاء الضجة حول الحادثة.
ومن حق هؤلاء جميعاً أن يعرفوا ما أمكن التحقق منه، وأن تُفحص مطالباتهم بجدية، وأن تتحدد المسؤوليات وفق الأدلة، وأن تتوافر لهم سبل انتصاف مناسبة. كما أن من واجب الجهات المختصة أن تبيّن ما اتخذته لمنع تكرار الخطر، وأن تراجع أي قصور تثبته التحقيقات، وأن تجعل حماية الأرواح والممتلكات جزءاً من الاستجابة الفعلية، لا مجرد وعد يرد في البيانات.
إن احترام حقوق الضحايا لا يتعارض مع متطلبات الأمن أو تنظيم التعدين، ولا يتوقف على المواقف السياسية من أي دولة أو جهة. بل إن الاحتكام إلى الأدلة والقانون هو الطريق الذي يتيح معالجة الوقائع من دون ظلم، ويمنع تحويل المأساة إلى ذريعة للاتهامات المتبادلة أو إلى ملف يُغلق قبل أن يحصل أصحاب الحقوق على إجابات.
فالعدالة لا تعني أن نعلن مسؤولية طرف قبل التحقق، كما لا تعني أن ننتظر إلى ما لا نهاية حتى تتحرك المؤسسات. إنها تعني أن نطالب بتحقيق جاد، وأن نحفظ الأدلة، وأن نتابع مصير الأشخاص والممتلكات، وأن نفتح أبواب المطالبة بالحقوق، وأن نضمن ألا تضيع الخسائر في الفراغ بين الحدود والإجراءات والروايات المتعارضة.
فالضحايا ليسوا أرقاماً في بيان، وممتلكات المواطنين ليست تفاصيل هامشية في عملية أمنية. لكل حياة حق في الحقيقة، ولكل صاحب ملكية حق في معرفة مصير ممتلكاته، ولكل متضرر حق في أن تُفحص مطالبته بإنصاف. ولا تكتمل العدالة بكشف ما حدث وحده، بل بأن تقود الحقيقة إلى المساءلة، والمساءلة إلى جبر الضرر، وجبر الضرر إلى ضمانات حقيقية تحمي الأحياء من تكرار المأساة. والى اللقاء في المقال الرابع انشاء الله

