السبت, أكتوبر 31, 2026

سلسلة مقالات حول الهجوم الثاني في مناطق التعدين المقال الثاني

الدولة ليست بياناً يصدر بعد الكارثة

بقلم: آدم راشد

ليست مسؤولية الدولة أن تنعى مواطنيها بعد موتهم فحسب، ولا أن تعلن تشكيل لجنة للتحقيق كلما وقعت كارثة، ثم تترك أسر الضحايا معلّقة بين الروايات المتضاربة وانتظار الحقيقة. فالدولة، قبل أن تكون سلطةً تصدر البيانات، هي التزام بحماية الإنسان؛ وقبل أن تكون جهازاً إدارياً أو أمنياً، هي مسؤولية قانونية وأخلاقية عن حياة الناس وكرامتهم وأمنهم.

من هنا ينبغي أن نقرأ ما جرى في مناطق التعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية، لا بوصفه حادثةً منفصلة عن واجبات الدولة، ولا باعتباره مناسبةً لتبادل الاتهامات السياسية، وإنما باعتباره اختباراً لقدرة السلطات القائمة في بورتسودان على حماية المواطنين، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين متى ثبتت مسؤوليتهم، ومنع تكرار المأساة.

ففي يونيو الماضي، تناقلت وسائل الإعلام تقارير عن ضربات استهدفت مناطق للتعدين الأهلي في محيط جبل العقيدات والأنصاري، وأوقعت قتلى وجرحى من المعدّنين. وقد اختلفت التقارير بشأن عدد الضحايا وتفاصيل ما حدث، كما نُسبت الضربات في بعض الروايات إلى القوات المصرية، من دون أن تتوافر في المصادر العلنية التي أمكن مراجعتها نتائج نهائية منشورة تحقق هذه النسبة وتحسم ملابسات الواقعة. وأثار الحادث آنذاك أسئلةً عن التحقيق الذي تعهّدت السلطات بإجرائه، وعن الإجراءات التي اتخذتها لحماية العاملين في تلك المناطق.

ثم جاء العاشر من أكتوبر الجاري، لتتجدد التقارير عن ضربات جوية في منطقة شمال الوادي ومواقع التعدين المحيطة بجبل العقيدات، مع حصيلة بشرية ظلت موضع اختلاف حاد بين المصادر. فقد أوردت جهات حقوقية وشهادات من المنطقة أرقاماً مرتفعة للقتلى، بينما نقلت تقارير أخرى حصائل أقل، ولم يكن ممكناً، حتى وقت إعداد هذا المقال، الجزم بحصيلة نهائية مستقلة للضحايا أو تحديد المسؤول عن تنفيذ الضربات استناداً إلى إعلان رسمي مكتمل بنتائج التحقيق.

وفي الثاني عشر من أكتوبر، أعلن مجلس السيادة الانتقالي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين للنيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة، على أن تحقق في ملابسات الحادث وترفع تقريراً بنتائجها. وأكد البيان الرسمي أن حماية أرواح المواطنين وسلامتهم وكرامتهم مسؤولية أصيلة للدولة، وأشار إلى استمرار التواصل بين القيادتين السودانية والمصرية بشأن الواقعة. لكن البيان لم يحدد مهلةً لنشر النتائج، ولم يسمِّ أعضاء اللجنة، ولم يعرض تفاصيل عن نطاق التحقيق أو الضمانات التي تكفل استقلاله وفاعليته.

إعلان التحقيق بداية الواجب، لا نهايته

لا ينبغي التقليل من أهمية الإعلان عن تشكيل لجنة؛ فالتحقيق الرسمي خطوة لازمة للوصول إلى الحقيقة. لكن الإعلان، في ذاته، لا يثبت أن التحقيق قد بدأ فعلياً، ولا يكشف ما إذا كانت الأدلة قد جُمعت، ولا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا حدث، ومن المسؤول عنه، وما الذي ستفعله الدولة حتى لا يتكرر؟

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بحادثة يونيو: هل أُنجز التحقيق الذي تعهّدت السلطات بإجرائه آنذاك؟ وهل حُددت مواقع الضربات بدقة؟ وهل جُمعت إفادات الناجين وأُخذت أقوال أسر الضحايا؟ وهل فُحصت بقايا الذخائر، وسُجلت الأضرار، ووُثقت أسماء القتلى والمفقودين؟ وهل توصلت الجهات المختصة إلى نتائج أو توصيات؟ وإذا كانت قد توصلت إليها، فما الذي نُفذ منها؟

حتى الآن، لم أعثر في المصادر العلنية التي أمكن مراجعتها على تقرير نهائي منشور يوضح نتائج التحقيق السابق في حادثة يونيو، أو يبيّن بصورة موثقة التدابير التي اتُّخذت استناداً إليه. وهذه ملاحظة عن حدود المعلومات المتاحة للجمهور، وليست دليلاً قاطعاً على أن التحقيق لم يُجرَ أو أن أي إجراء لم يُتخذ. لكن غياب النتائج المنشورة، في واقعة بهذه الخطورة، يترك فراغاً مشروعاً في المعرفة العامة، ومن واجب السلطات أن تملأه بالمعلومات القابلة للتحقق.

فإذا كانت اللجنة السابقة قد أدت عملها، فما الذي انتهت إليه؟ وإذا تعذر عليها الوصول إلى نتائج حاسمة، فما أسباب التعذر؟ وإذا صدرت عنها توصيات، فلماذا لم تُعلن، أو ما الذي منع تنفيذها؟ أما إذا لم يكتمل التحقيق، فإن وقوع حادثة جديدة يضاعف الحاجة إلى تفسير واضح، لا إلى الاكتفاء بإعلان لجنة أخرى.

إن تكرار الحوادث، أو ورود تقارير عن ضربات جديدة بعد حادثة سابقة، لا يثبت وحده تقصير السلطات في كل واجباتها؛ لكنه يجعل السؤال عن فعالية التدابير الوقائية سؤالاً لا يجوز تجاهله. فالمطلوب ليس البحث عن متهم سياسي جاهز، بل معرفة ما إذا كانت المخاطر قد قُدرت، وما إذا كانت السلطات تملك معلومات عن تهديدات محتملة، وما إذا كانت قد اتخذت ما كان معقولاً ومتاحاً لها من إجراءات لحماية المدنيين.

ماذا ينبغي أن تكشف لجنة تقصي الحقائق؟

أول ما ينبغي أن تكشفه اللجنة هو المكان: أين وقعت الضربات تحديداً؟ فالتوصيفات العامة من قبيل «المنطقة الحدودية» أو «مناطق التعدين» لا تكفي لتحديد المسؤوليات. ينبغي تثبيت المواقع بالإحداثيات والخرائط، وتحديد صلتها بخط الحدود، وبيان ما إذا كانت تقع داخل الأراضي السودانية أو خارجها أو في منطقة متنازع عليها، وفق الأدلة الفنية والقانونية ذات الصلة. فالحدود لا تُحسم بالخطاب السياسي، كما أن وقوع الحادث قربها لا يكفي وحده لإثبات السيادة على الموقع أو نفيها.

وثاني ما ينبغي كشفه هو طبيعة الواقعة نفسها. هل كانت هناك ضربات جوية بالفعل؟ وكم عدد الضربات ومتى نُفذت؟ وما نوع الذخائر المستخدمة، إن أمكن تحديده؟ وهل كانت المواقع المستهدفة تضم معدّنين مدنيين وقت الهجوم؟ وهل وُجدت أهداف عسكرية قريبة أو معلومات يمكن أن تكون ذات صلة بتفسير ما حدث؟ وما التدابير التي اتُخذت للتحقق من طبيعة الأهداف والحد من الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين؟

هذه أسئلة تحقيق، لا أحكام مسبقة. فالتوصل إلى إجابات موثوقة يتطلب جمع الأدلة المادية، وفحص الصور ومقاطع الفيديو، والتحقق من توقيتها ومواقعها، وسماع الناجين والشهود، ومراجعة السجلات الطبية وقوائم الضحايا، والاستعانة بالخبرة الفنية المستقلة عند الحاجة. كما يقتضي الأمر حماية الشهود ومصادر المعلومات، وصون الأدلة من العبث أو الضياع، وتوثيق سلسلة حيازتها حتى يمكن الاعتماد عليها في أي إجراءات قضائية لاحقة.

وثالث ما ينبغي توضيحه هو مسألة تحديد الجهة المنفذة. فقد نُسبت الضربات في تقارير وشهادات إلى القوات المصرية، لكن نسبة المسؤولية لا يجوز أن تُبنى على التداول الإعلامي وحده، مهما كانت خطورة الشهادات أو حجم الغضب الشعبي. المطلوب أدلة قابلة للفحص، وتعاون رسمي يتيح التحقق من الوقائع، ونتائج معللة تبيّن ما ثبت وما لم يثبت، وما بقي بحاجة إلى مزيد من التحقيق.

وإذا أظهرت الأدلة مسؤولية جهة أجنبية، فإن على السلطات السودانية أن تتخذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية المناسبة، وأن تطالب بالتعاون وكشف المعلومات ذات الصلة، وأن تسعى إلى ضمان حقوق الضحايا وجبر أضرارهم وفق القانون. أما إذا كشفت الأدلة عن مسؤولية أفراد أو جهات سودانية في جانب من الواقعة، أو عن إخفاقات مستقلة في واجبات الحماية والتحقيق، فلا ينبغي أن يكون ذلك خارج نطاق المساءلة. فالمعيار هو الدليل والقانون، لا هوية الطرف الذي قد تنتهي إليه النتائج.

المساءلة لا تنفصل عن حماية الناس

ثمة واجب آخر لا يجوز تأجيله إلى حين صدور التقرير النهائي: حماية المعدّنين وسائر المدنيين في المنطقة. فحتى قبل حسم المسؤولية عن الضربات، تستطيع السلطات أن تراجع المخاطر المعروفة، وأن تنشئ آلية إنذار وتواصل واضحة، وأن تحدد للناس ما يلزم من احتياطات، وأن تنسق مع الجهات المحلية والطبية والإنسانية لتيسير إجلاء المصابين والوصول إلى المواقع المتضررة، متى كان ذلك ضرورياً وممكناً.

كما ينبغي أن تكون هناك خطة واضحة للتعامل مع المفقودين، وتحديد هويات المتوفين، وإبلاغ أسرهم، وتقديم الرعاية الطبية والنفسية للمصابين، وتوثيق الأضرار التي لحقت بمصادر رزقهم. ولا ينبغي أن تتحول صعوبة الوصول إلى المناطق الحدودية، أو تعقيدات العلاقات بين الدول، إلى سبب يترك الأسر بلا معلومات أو يجعل الضحايا مجرد أرقام تتنازعها الروايات.

والحماية هنا ليست منحةً تقدمها السلطة متى تيسرت الظروف، بل جزء من واجباتها تجاه الأشخاص الخاضعين لولايتها، في الحدود التي يقررها القانون والوقائع. وإذا كانت طبيعة الواقعة وصلتها بنزاع مسلح تقتضيان تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، وجب تقييمها وفق تلك القواعد، بما فيها حماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة. أما تحديد ما إذا كان انتهاك بعينه قد وقع، وما إذا كان يشكل جريمة حرب أو غيرها من الجرائم، فيتطلب تحقيقاً في الوقائع والعناصر القانونية ذات الصلة، ولا يصح استباقه بشعار أو اتهام.

حق الجمهور في المعرفة

قد تقول السلطات إن التحقيق لا يزال جارياً، وإن نشر التفاصيل قبل اكتماله قد يؤثر في جمع الأدلة أو في العلاقات مع الدولة المجاورة. وهذه اعتبارات يمكن أخذها في الحسبان، لكن السرية لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة دائمة، ولا إلى ذريعة لحجب كل معلومة عن أسر الضحايا والرأي العام.

يمكن للجنة أن تحافظ على سرية بعض الإفادات أو التفاصيل الفنية التي قد يؤدي كشفها إلى الإضرار بالتحقيق، وفي الوقت نفسه تنشر معلومات أساسية عن تشكيلها واختصاصاتها، والجهات التي تتعاون معها، والإجراءات التي اتخذتها، والجدول الزمني المتوقع لعملها. ويمكنها أن تصدر تحديثاً أولياً لا يتضمن نتائج متعجلة، ثم تقريراً نهائياً يوضح منهجية التحقيق، والأدلة التي أمكن التحقق منها، والوقائع التي ثبتت، والمسائل التي تعذر حسمها، والتوصيات اللازمة للمساءلة ومنع التكرار.

ومن المهم أيضاً أن يُتاح للضحايا وأسرهم مسار آمن لتقديم المعلومات، وأن يعرفوا الجهة التي يمكنهم التواصل معها، وكيف ستُحمى بياناتهم، وما إذا كان لهم حق في الحصول على المعلومات المتعلقة بمصير ذويهم. فحق الجمهور في المعرفة لا يعني نشر كل مادة حساسة بلا ضوابط، لكنه يعني ألا تُترك الحقيقة رهينة بيانات مقتضبة لا تسمح بفهم ما حدث أو متابعة ما اتُّخذ بشأنه.

إن حق الضحايا في معرفة الحقيقة يرتبط بواجب الدولة في التحقيق الجاد والفعال في حالات الوفاة التي يُحتمل أن تكون غير مشروعة، وبواجبها في إتاحة سبل الانتصاف وجبر الضرر عندما تثبت الانتهاكات. وهو ليس ترفاً إعلامياً، ولا مطلباً سياسياً خاصاً بخصوم السلطة، بل مبدأ من مبادئ حماية الكرامة الإنسانية وسيادة القانون.

المعيار هو ما يتغير بعد الكارثة

إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه سلطة بورتسودان ليس فقط: هل شكّلتم لجنة؟ بل: ما الذي ستفعله هذه اللجنة على نحو مختلف، وما الذي ستغيره نتائجها في الواقع؟ فالمساءلة الحقيقية لا تقاس بعدد اللجان التي أُعلنت، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، وإحالة ما يستوجب الإحالة إلى الجهات القضائية المختصة، وتقديم التعويض وجبر الضرر حيث تثبت موجباتهما، ووضع تدابير تمنع تكرار ما حدث.

ولا يكفي في هذا السياق أن تتعهد السلطات بحماية الحدود، وإن كان ذلك واجباً مشروعاً وأساسياً. فحماية الحدود لا تنفصل عن حماية المواطنين الذين يعيشون ويعملون في مناطقها، كما أن مكافحة التعدين غير المشروع، إن وُجد، لا تعفي أي جهة من التزاماتها القانونية تجاه المدنيين. ولا يجوز أن تتحول المخالفات المحتملة لبعض العاملين إلى افتراض يبرر تعريضهم للخطر أو حرمانهم من الحماية التي يكفلها القانون.

وإذا انتهت التحقيقات إلى ثبوت مسؤولية أفراد أو جهات، فينبغي أن تُتخذ الإجراءات القانونية المناسبة، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة. وإذا ثبت وجود قصور مؤسسي أو إخفاق في إجراءات الحماية، وجب الاعتراف به ومعالجته، لا الاكتفاء بمحاسبة فرد مع ترك أسباب الخلل قائمة. وإذا لم تسمح الأدلة بحسم بعض المسائل، فمن واجب التقرير أن يقول ذلك بوضوح، وأن يبين ما يلزم لاستكمال التحقيق، بدلاً من ملء الفراغ بالتخمين.

أما أسر الضحايا، فلا ينبغي أن تُترك وحدها في مواجهة الخسارة. إن واجب الدولة تجاهها يشمل معرفة مصير المفقودين، وتوضيح ظروف الوفاة، وتيسير الوصول إلى العدالة، والنظر في سبل جبر الضرر وفق ما تثبته الوقائع والقانون. ولا يعيد التعويض حياة من رحلوا، لكنه قد يكون جزءاً من الاعتراف بالضرر، ومن مسؤولية المؤسسات عن الاستجابة له.

لقد منحت حادثة يونيو السلطات فرصةً أولى لتوضيح ما جرى ووضع تدابير وقائية. ثم جاءت تقارير أكتوبر لتجعل الحاجة إلى الشفافية والتحقيق الفعال أكثر إلحاحاً. وليس من الإنصاف الجزم، قبل ظهور الأدلة، بأن السلطات لم تفعل شيئاً؛ لكن من المشروع تماماً مطالبتها بأن توضح للرأي العام ما فعلته بالفعل، وما الذي أنجزته التحقيقات السابقة، وما الذي ستفعله اللجنة الجديدة، ومتى يمكن انتظار نتائجها.

فالدولة لا تثبت جديتها بكثرة البيانات، بل بقدرتها على تحويل البيان إلى إجراء، والإجراء إلى حقيقة موثقة، والحقيقة إلى مساءلة وإنصاف وإصلاح. وحين يسقط المواطنون وهم يسعون إلى كسب رزقهم، فإن أقل ما تستحقه أسرهم هو ألا يضطروا إلى خوض معركة أخرى، طويلة ومؤلمة، من أجل معرفة كيف مات أحباؤهم، ومن يتحمل المسؤولية، وما إذا كان بالإمكان منع المأساة التالية.

إن التحقيق الذي لا يقود إلى حقيقة معلنة، والمساءلة التي لا تفضي إلى إنصاف، والتدابير التي لا تمنع تكرار الضرر، تظل جميعها وعوداً ناقصة. أما واجب الدولة، فيبدأ بحماية الحياة، ويمتد إلى كشف الحقيقة، ولا يكتمل إلا حين يشعر المواطن بأن كرامته وحقه في العدالة لا يتوقفان عند حدود الصحراء، ولا عند حسابات السياسة، ولا عند آخر بيان رسمي يصدر بعد الكارثة.

الى اللقاء في المقال الثالث