كتب/ مليح يعقوب حماد
مقدمة: نهاية الوهم وتكلفة الإنكار
لقد بلغ السودان اليوم محطة تاريخية حرجة تلاشى فيها الخط الفاصل بين الشجاعة والوهم. ففي الوقت الذي تتناسل فيه دوائر الموت والتشظي على امتداد الخارطة الوطنية العريضة، يتشبث البعض بذلك الهيكل العظمي المسمى بـ “الدولة السودانية الموحدة”، مدفوعاً بنوستالجيا عاطفية خاوية من الوعي، وإنكار سياسي أدمن الهروب من مواجهة الحقيقة المرّة.
وبعد تفاقم حالات الانقسام الشعبي والوجداني العميقة ، وأمام تهرب أفندية 56 عن تعريف حقيقة الحرب، وإصرار سلطة بورتسودان على المراوغة الممنهجة لإطالة أمدها ووأد أي فرصة للحل الجذري، بات خيار الانفصال واقعاً ماثلاً وخياراً حتمياً تفرضه ديناميكيات الصراع. وما أشبه اليوم بالبارحة؛ فشعب الجنوب حين عجز عن إيجاد صيغة جاذبة للتعايش مع أيديولوجيا الاستعلاء في الشمال، لجأ بمحض إرادته إلى حق تقرير المصير وانفصل بدولته. واليوم، يتكرر المشهد ذاته؛ فلقد فات الأوان تماماً على بعث إرادة وطنية جامعة بالوسائل القديمة، كالثورات الشعبية السارقة لصوت الهامش، أو المظاهرات السلمية المتجاوزة لحقوق الآخر والعابثة بروح الثورة الجامعة لكل الأمة.
ولعل السودانيين من أكثر شعوب العالم تغنياً بالوحدة، وهو ما يبرهن على مدى هشاشتها، ويوحي بخوف دفين من خطر التفسخ الدائم، ويكشف بجلاء عن غياب عقد اجتماعي حقيقي يربط بين الدولة ومواطنيها. وهو المعنى الذي التقطه الشاعر الصادق الرضي بوعي بليغ في قصيدته “غناء العذلة للعذلة”، حين يصف أغاني الوحدة بأنها تفتقر إلى الشجاعة في مخاطبة جذور الأزمة، مساهمةً بذلك في ترسيخ جدليات التآكل ونظريات الهروب إلى الوهم؛ فالدولة السودانية، حين تعجز عن التأسيس لمشروع جديد وعدالة حقيقية، تفضل التشبث بالتعفن على تقديم التنازلات التاريخية الواجبة.
وحين تتعمق المأساة، تفقد الشعارات الرنانة بريقها؛ فقد خابت تطلعات المواطنين في ترديد مقولة “جيش واحد شعب واحد”، بعد أن أدركوا بفعل التجربة الدموية أنها تحولت إلى مخدر موضعي ذاتي وجماعي يتهرب من مواجهة البنية العسكرية والأمنية المتهالكة التي أسست لتعطيل الديمقراطية وإرغام الشعوب السودانية على التبعية القهرية. فالوحدة التي تُبنى على الدماء، والتهميش الممنهج، وحروب الإبادة، وتجريف الوجدان المجتمعي، هي “وحدة قسرية” سقطت أخلاقياً ووجودياً قبل أن تتداعى عسكرياً. ومن ثمّ، فإن الحديث عن الحفاظ على التراب الوطني على حساب دماء الإنسان هو وهم عاطفي مُدمر، ومعطل حقيقي لمستقبل شعوب الهامش وعموم السودانيين المتطلعين للعدالة.
1. سقوط المظلة: لماذا تهاوت فكرة “الدولة السودانية الكبرى”؟
تكمن المعضلة البنيوية في أن “الخرطوم” فقدت تدريجياً أهليتها كعاصمة قومية جامعة لكل السودانيين، ولم تعد قبلة لأنظار أبنائها بعد أن أغلقت أبوابها وعزلت نفسها بقوانين الاستعلاء و الوجوه الغربية والمتعاونين واولاد الضيف ونخب الامتياز؛ مصداقاً للمثل الشعبي البليغ (عجوز وسدت بيتا). وكما أشار المفكر الراحل د. منصور خالد في تفكيكه لأزمة أيلولة السلطة، فقد وُلدت الخرطوم وتصرفت تاريخياً بوصفها “مستعمرة داخلية” ورثت أدوات استبدادها؛ مطبخاً سياسياً ونخبوياً ينتج فيروسات التهميش والإقصاء ويصدرها إلى الأطراف، لتعود فتستنزف مواردها بفلسفة التبعية الممنهجة.
لقد أثبتت التجربة التاريخية التي حذّر منها مفكرون كبار مثل محمد أبو القاسم حاج حمد في مأزق السودان التاريخي، أن العقل السياسي الذي أدار المركز عبر تعاقب الأنظمة عجز جذرياً عن استيعاب التنوع والتعدد. وحين يتآكل العقد الاجتماعي إلى هذا الحد الذي تلاشت فيه مقومات العيش المشترك، تصبح محاولة ترميم هذا البيت المائل عبثاً أيديولوجياً يستوجب هدمه وإعادة بنائه بمعزل عن تعنت حراسه. ولقد تحولت الدولة الكبرى للأسف إلى “سجن كبير” تواطأت نخبها البيروقراطية وحراسها القدامى على إغلاق أبوابه وإحكام قبضتهم على رؤوس الجميع.
2. الانفصال عن المركز: حين يصبح “الطلاق التاريخي” مدخلاً للتأسيس البديل
وفي ظل هذا الانسداد التاريخي المطبق، فإن “الانفصال الفكري والسياسي عن هيمنة المركز القديم” أصبح أمراً حتمياً وجراحة بتر ضرورية لواقع الغرغرينا التي أفسدت جسد الدولة.
صحيح أن تجربة انفصال جنوب السودان قدّمت درساً تاريخياً قاسياً، إلا أن فاتورة الانفصال في هذه المرة ستكون أثقل كلفة وأشد وقعاً؛ لأنها ستستقطع المساحات الكبرى التي تعري المركز تماماً وتنزع عنه مشروعيته التاريخية. فالانفصال، وإن حدث، سيشمل الأقاليم والولايات المهمشة ذات القواسم التاريخية والثقافية والعرقية المشتركة الممتدة على طول حزامي السافنا والصحراء، لتشمل دارفور الكبرى، وكردفان الكبرى، والنيلين الأبيض والأزرق، مما يعني ضمناً تجريد المركز من نفوذه وموارده وشرعيته الوهمية.
وفي مثل هذا الوضع، لن يعدو الانفصال سوى استراحة محارب، وستفشل الحركة الإسلامية في حكم الوسط أو الشمال أو الشرق، لتنهار من داخلها بعد أن تكتشف بأنها محكومة بعلاقات جوار مناهضة لمشروعها.
إن هذا الوعي الجديد يتجه نحو صيغة أعمق: تحرر الهامش السوداني العريض —ومعه كل القوى الحية المتضررة من الاستبداد المركزي— من أسر عقلية الاستبعاد والاستنزاف. إن هذا “الطلاق التاريخي” للمركز الطفيلي يرفض فكرة تفكيك السودان إلى دويلات ممزقة تتصارع فيما بينها، ويهدف في جوهره إلى إعادة التحام القوى الحية والهامش السوداني العريض حول مشروع تأسيسي جامع لـ “سودان جديد” يقوم على الندّية، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية المنجزة.
3. شروط التأسيس: نحو جغرافيا تعاقدية وسودان جديد
بعد أن أصبح انهيار السودان القديم مآلاً محتماً لتعفن المركز وغياب إرادته للإصلاح، فإن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إدارة هذا المخاض بأقل قدر ممكن من الدماء والفوضى. إن منع تحول مسارات الخلاص إلى حروب أهلية مفتوحة يتطلب ركائز عملية واضحة:
التسليم بسقوط المركز القديم مع تخليه الفوري عن مشروع الوحدة القسريه والاعتراف بأن الترتيبات السياسية والهيكلية الجذرية —سواء عبر الحكم الذاتي الواسع، الفيدرالية الحقيقية، أو الترتيبات التعاقدية— هي خيار الضرورة الأوحد لتجفيف منابع الدمار.
إعادة التموضع والالتحام الوطني: صياغة تحالفات سياسية وأمنية عابرة للجهوية الضيقة تضمن حماية المصالح المشتركة، والتخلي نهائياً عن أحلام الإمبراطوريات المركزية الوهمية، والانصراف إلى حماية الهويات المحلية والقومية التي تحترم التنوع وتتطهر نهائياً من أدران الاستعلاء التاريخي.
خاتمة: شجاعة الاعتراف بالواقع وبناء السودان الجديد
تُعدّ شجاعة الاعتراف بنهاية “السودان القديم” هي البداية الحقيقية الوحيدة لإنقاذ الإنسان السوداني أينما حلّ. التاريخ البشري لا يُدار بالأمنيات، ولا تُحفظ الأوطان بالشعارات الفارغة فوق جثث أبنائها. إن الوعي المبكر بحتمية التحرر من علائق الاستبداد المركزي لصالح التئام شعوب الهامش والوجدان الوطني العريض حول تأسيس “سودان جديد” يحترم حياة الإنسان ويصون مستقبله، هو طوق النجاة الأخير وسط بحر الدمار الشامل الذي يبتلع البلاد.

