سلسلة جديدة من المقالات حول الهجوم الثاني في مناطق التعدين (حين يصبح البحث عن الذهب رحلةً للموت )
بقلم: أ/ آدم راشد
لم يخرجوا إلى الصحراء بحثاً عن الحرب، ولم يحملوا معهم ما يجعلهم طرفاً في صراع عسكري. خرجوا بحثاً عن الذهب، أو بالأحرى بحثاً عن لقمة العيش في بلد أنهكته الحرب، وأغلقت أبواب كثيرة فيه أمام العمل والاستقرار، حتى غدت المناجم النائية، على ما فيها من مشقة ومخاطر، ملاذاً لآلاف السودانيين الذين لم يعد أمامهم كثير من الخيارات.
في تلك البقاع الممتدة على تخوم السودان ومصر، حيث تتداخل الجغرافيا مع التاريخ، وتختلط حدود الخرائط بمسارات الرزق وحركة الناس، كان المعدّنون يشقون طريقهم اليومي بين الصخور والرمال، يقتاتون على أمل العثور على قدر من الذهب يعينهم على مواجهة حياة أثقلتها الأزمات. هناك، بعيداً عن المدن ومرافقها الصحية والأمنية، بنى هؤلاء العمال البسطاء عالماً هشاً من الأكواخ ومواقع الحفر وأماكن معالجة الخام، عالماً لا يملك من مقومات الحماية إلا القليل، ولا يستطيع أهله الاحتماء عند الخطر إلا بما تسمح به طبيعة الأرض القاسية.
ثم جاءت الأخبار عن الغارات التي استهدفت مواقع التعدين في منطقة جبل العقيدات وشمال الوادي، لتضع هذه الحياة الهشة أمام مشهد بالغ القسوة. تحدثت تقارير وشهادات محلية عن قتلى وجرحى ودمار في مواقع العمل، وعن عمال فروا إلى الجبال والمناطق المحيطة خوفاً من ضربات أخرى. وتفاوتت تقديرات أعداد الضحايا بين المصادر، فيما ظلت هوية الجهة التي نفذت الهجوم وموقع بعض الضربات من المسائل التي تحتاج إلى تحقيق مستقل وأدلة قابلة للتحقق.
لم تكن هذه، بحسب التقارير المنشورة، المرة الأولى التي تتعرض فيها مواقع التعدين في المنطقة لحوادث عسكرية دامية خلال العام نفسه. فقد سبقت الحادثة الأخيرة تقارير عن عمليات استهدفت مواقع في المنطقة في يونيو 2026، وتحدثت مصادر محلية وطبية عن سقوط قتلى ومصابين آنذاك. وأعلنت السلطات السودانية في ذلك الوقت عزمها التحقيق في الواقعة، لكن المعلومات العلنية المتاحة لا تقدم حتى الآن صورة مكتملة عن نتائج ذلك التحقيق، أو عن الإجراءات التي ترتبت عليه لمنع تكرار ما حدث، وحينها كتبنا سلسلة منسبعة مقالات، ندّدنا فيها بالواقعة وما صاحبها من أحداث، وبما شاب التعامل معها من تقاعس وعدم وضوح.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية. فالمسألة ليست مجرد أخبار عن غارة جوية في منطقة نائية، ولا مجرد خلاف حول خط حدودي أو نشاط تعدين غير منظم. إنها، قبل كل شيء، قضية إنسان وجد نفسه في مكان خطر، ثم وجد حياته مهددة، وربما فقدها، من دون أن تتوافر لأسرته إجابات واضحة عما جرى له، أو عمن يتحمل المسؤولية، أو عما إذا كانت هناك تدابير كافية تحول دون تكرار المأساة.
إن قيمة الإنسان لا تتحدد بطبيعة العمل الذي يؤديه، ولا بمدى قانونية النشاط الاقتصادي الذي يمارسه، ولا بموقعه على خريطة تتنازع الأطراف تفسير حدودها. وقد يكون التعدين الأهلي نشاطاً يحتاج إلى تنظيم ورقابة، وقد تثير بعض ممارساته أسئلة اقتصادية وبيئية وأمنية مشروعة؛ غير أن هذه المسائل لا تلغي حق الإنسان في الحياة، ولا تجعل العامل المدني هدفاً مشروعاً لمجرد وجوده في منطقة متنازع عليها أو قرب حدود غير مرسمة ميدانياً.
فإذا كان هناك اشتباه في عبور الحدود، أو في ممارسة التعدين داخل منطقة تدّعي دولة مجاورة السيادة عليها، فإن معالجة ذلك تظل خاضعة للقانون والإجراءات المشروعة. ولا يجوز أن تتحول الشبهة إلى حكم بالإدانة، أو أن تصبح مكافحة التهريب ذريعة لإهدار ضمانات حماية المدنيين. إن فرض القانون لا ينفصل عن احترام القانون، والسيادة لا تُصان بإهمال حياة البشر، بل بممارسة السلطة وفق قواعدها وحدودها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على سائر الأسئلة هو: من هؤلاء الذين سقطوا؟ وما الذي حدث لهم؟ وأين وقعت الضربات تحديداً؟ وهل كانوا يمارسون عملاً مدنياً؟ ومن نفذ الهجوم؟ وما المعلومات التي كانت متاحة لمن خطط له أو نفذه؟ وهل اتُّخذت الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين؟
هذه ليست أسئلة سياسية فحسب، بل أسئلة قانونية تتوقف عليها معرفة طبيعة الواقعة وتحديد المسؤوليات. والإجابة عنها لا تكون بتبادل الاتهامات، ولا بالاستناد إلى رواية واحدة مهما كان مصدرها، وإنما بجمع الأدلة وفحصها ومقارنتها، والتحقق من المواقع والإحداثيات، والاستماع إلى الشهود، وتوثيق الإصابات والوفيات والأضرار، ثم إخضاع النتائج لمراجعة مستقلة وذات مصداقية.
وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن شهوداً نسبوا الضربات إلى القوات المصرية، في حين تحدثت السلطات المصرية عن عمليات لمكافحة التعدين غير القانوني والتهريب داخل ما وصفته بالأراضي المصرية. وبين هذه الروايات المتعارضة، لا ينبغي أن يصبح الإعلام بديلاً عن التحقيق، ولا أن يُطلب من الضحايا وأسرهم اختيار رواية سياسية كي يُسمح لهم بالمطالبة بحقوقهم. المطلوب هو إثبات الوقائع أولاً، ثم تحديد المسؤولية وفق القانون.
ولعل أخطر ما في مثل هذه الحوادث أن ضحاياها قد يصبحون، بعد أن ينجوا من الموت أو يفقدوا ذويهم، أسرى النسيان. تنتهي دورة الأخبار، وتنشغل المنصات بأحداث جديدة، وتبقى الأسرة وحدها أمام سؤال لا جواب له: ماذا حدث لابني؟ أين جثمانه؟ من يعالج المصاب؟ من يعوض من فقد مصدر رزقه؟ ومن يضمن ألا يتكرر ما وقع؟
إن العدالة تبدأ من رفض ترك هذه الأسئلة معلقة. فالحق في معرفة الحقيقة ليس ترفاً فكرياً، ولا مطلباً خاصاً بالمحامين والحقوقيين؛ إنه حاجة إنسانية تمس كرامة الضحايا وحق أسرهم في معرفة مصير أحبائهم. كما أن كشف الحقيقة ليس منحة تمنحها السلطة حين تشاء، بل جزء أساسي من أي استجابة جدية لواقعة تثير شبهة انتهاك خطير.
وعندما تقع وفيات في ظروف تثير الشك في مشروعيتها، لا يكفي أن تعلن السلطات فتح تحقيق، ثم تترك الرأي العام بلا معلومات عن الجهة التي تولته، والأدلة التي جمعتها، والنتائج التي انتهت إليها. إن التحقيق الجاد هو الذي يسعى إلى كشف الحقيقة، سواء جاءت نتائجه موافقة لتوقعات السلطة أم مخالفة لها، وسواء أثبتت مسؤولية جهة بعينها أم انتهت إلى نتيجة مختلفة عما تداولته وسائل الإعلام.
وفي حالة جبل العقيدات وشمال الوادي، يكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة بسبب التقارير عن حادثة سابقة في يونيو، أعقبتها وعود بالتحقيق، ثم وقوع حادثة أخرى في ذات المنطقة بعد أشهر. ولا يكفي هذا التتابع وحده لإثبات أن السلطات أهملت واجباتها أو أن التحقيق السابق لم يُجرَ؛ لكنه يفرض سؤالاً لا يجوز تجاهله: ماذا أسفرت عنه الإجراءات السابقة؟ وهل حُددت المخاطر التي تهدد المدنيين؟ وهل اتُّخذت تدابير عملية للوقاية منها؟ وإذا كانت قد اتُّخذت، فلماذا لم تمنع وقوع أضرار جديدة، إن ثبت أن تلك الأضرار كان بالإمكان تفاديها؟
هنا تبرز مسؤولية الدولة السودانية، لا بوصفها حكماً مسبقاً بأنها نفذت الهجوم أو شاركت فيه، فذلك أمر لا يجوز الجزم به دون دليل، وإنما بوصفها السلطة التي يتعين عليها أن توضح ما فعلته لحماية مواطنيها، وأن تكشف ما انتهى إليه التحقيق الذي أعلنت عنه، وأن تبين كيف تعاملت مع المخاطر التي ظهرت بعد الحادثة الأولى. فواجب الدولة لا يقتصر على الاحتجاج الدبلوماسي أو إصدار بيانات التعزية؛ بل يشمل، بحسب التزاماتها وقدرتها والظروف المحيطة، الاستجابة الإنسانية، والتحقيق الفعال، وحفظ الأدلة، والسعي إلى المساءلة، واتخاذ تدابير معقولة لمنع تكرار الضرر.
ولا ينفصل ذلك عن مسؤولية المجتمع الدولي. فحين تتعرض حياة المدنيين للخطر في منطقة حدودية، لا ينبغي أن تقف الجهود الدولية عند حدود التعبير عن القلق، بل عليها، كلٌّ في نطاق اختصاصه، أن تدعم التحقق من الوقائع، وتساعد على حماية الشهود والأدلة، وتيسر وصول المساعدات الطبية، وتشجع التعاون بين الدول المعنية، وتدفع نحو حلول تمنع التصعيد وتحفظ حياة السكان.
لكن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يؤدي هذا الدور بفاعلية ما لم تتوافر معلومات موثوقة، وما لم تُحمَ الشهادات والأدلة من الضياع أو التلاعب، وما لم يجد الضحايا وأسرهم من يصغي إليهم ويضع احتياجاتهم في صدارة الاهتمام. وهنا يظهر دور المجتمع المدني السوداني، بما يستطيع أن يؤديه من توثيق مستقل ومناصرة قانونية وإعلامية، وبما يمكن أن يقدمه من صلة بين المجتمعات المتضررة والمؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية.
إن التوثيق ليس عملاً ثانوياً يأتي بعد المأساة، بل هو أحد الشروط الأساسية اللازمة لمنع ضياع الحقيقة. فشهادة العامل الذي نجا، وصورة الموقع قبل تدميره، والسجل الطبي للمصاب، والإحداثيات الدقيقة لمكان الضربة، كلها قد تتحول، إذا جُمعت وحُفظت بطريقة مهنية وآمنة، إلى أدلة تساعد على تحديد ما وقع والمسؤولين عنه. أما إذا ضاعت هذه المواد، أو تعرض الشهود للتهديد، أو اختلطت الوقائع بالشائعات، فإن الطريق إلى العدالة يصبح أكثر صعوبة، ويظل الضحايا يدفعون ثمن غياب الحقيقة مرة أخرى.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُحمَّل الضحايا وحدهم عبء إثبات ما حدث، ولا أن يُطلب من الأسر المكلومة أن تقوم مقام أجهزة التحقيق. فالدولة والمؤسسات المختصة هي التي تتحمل واجباتها القانونية، بينما يسهم المجتمع المدني في التوثيق والمراقبة والمناصرة، ويساعد المجتمع الدولي في توفير الدعم والأدوات اللازمة حين تقتضي الحاجة.
وإذا كانت المنطقة تعيش نزاعاً حول الحدود أو الموارد، فإن ذلك يجعل الحاجة إلى المعالجة القانونية والدبلوماسية أكثر إلحاحاً، لا أقل. فالحدود لا تُحسم بالشائعات، والسيادة لا تثبت بمجرد السيطرة الميدانية، كما أن وجود نزاع حدودي لا يسقط حقوق المدنيين. إن تحديد الخط الحدودي مسألة قانونية وتاريخية تحتاج إلى الرجوع إلى الاتفاقات والخرائط والوثائق ذات الصلة، وإلى التمييز بين ترسيم الحدود قانوناً وتحديدها ميدانياً والسيطرة الفعلية على الأرض. ولا يجوز أن تُترك حياة العمال والمجتمعات المحلية رهينة الغموض أو التنافس على الموارد.
أما إذا ثبت أن الهجوم استهدف مدنيين أو ألحق بهم أضراراً على نحو يخالف القواعد القانونية المنطبقة، فإن المساءلة ينبغي أن تكون نتيجة تحقيق موثوق وإجراءات قانونية عادلة، لا مجرد رد فعل غاضب. فالعدالة لا تُبنى على استبدال اتهام غير محقق بإدانة غير مستندة إلى دليل؛ إنها تقوم على إثبات الوقائع، وتحديد المسؤولية، وضمان حقوق المتضررين، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن تُمنح أسر الضحايا سبل الانتصاف المناسبة، وأن يحصل المصابون على العلاج وإعادة التأهيل، وأن يُبحث التعويض حيث يتوافر أساسه القانوني، وأن تتخذ تدابير عملية لمنع التكرار. فالتعويض لا يعيد حياة من فقدناهم، لكنه قد يخفف بعض آثار الضرر، ويعترف بحقوق من أصابتهم المأساة، ويؤكد أن معاناتهم لم تُترك خارج حسابات العدالة.
إن ما جرى في جبل العقيدات وشمال الوادي يجب ألا يتحول إلى خبر عابر في سجل طويل من الأخبار السودانية المؤلمة. فالسودان، الذي أثقلته الحرب، لا يحتاج إلى مزيد من الوقائع التي تنتهي بلا حقيقة واضحة أو مساءلة أو إصلاح، بل يحتاج إلى استعادة معنى الحماية، وإلى دولة ترى في حياة مواطنيها مسؤولية لا يمكن تأجيلها، وإلى مؤسسات تجعل التحقيق واجباً، والشفافية أصلاً، والإنصاف حقاً.
وليس المقصود أن نبدأ بإدانة جهة قبل اكتمال الأدلة، ولا أن نغلق الباب أمام التحقيق في طبيعة النشاط التعديني أو ظروف وجود العاملين في المنطقة. المقصود أن نضع كل مسألة في موضعها الصحيح: يُبحث النشاط الاقتصادي وفق القانون، وتُعالج الحدود بالوسائل القانونية والدبلوماسية، ويُحقق في الهجوم بالأدلة، وتُحمى حياة المدنيين دون تمييز، ويُحاسب المسؤولون حيث تثبت مسؤوليتهم.
فحين يخرج الإنسان إلى الصحراء طلباً للرزق، ينبغي ألا يكون عليه أن يختار بين الجوع والموت. وحين يفقد حياته في واقعة تثير الشك، ينبغي ألا تكون أسرته مضطرة إلى خوض معركة أخرى كي تعرف الحقيقة. وحين تعلن الدولة التحقيق، ينبغي أن يكون للرأي العام حق في معرفة ما انتهى إليه، وللضحايا حق في ألا تضيع قضيتهم بين الصمت وتضارب الروايات، ومعرفة الحقيقة حق اساسي من حقوق الانسان.
إن السؤال الأعمق الذي تطرحه مأساة جبل العقيدات ليس فقط: من نفذ الهجوم؟ بل أيضاً: كيف نحول دون أن يجد المدنيون أنفسهم مرة أخرى في المكان نفسه، تحت الخطر نفسه، ثم يتركون بعد ذلك أمام الأسئلة ذاتها؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للدولة، وللمؤسسات الدولية، وللمجتمع المدني، ولأي حديث عن سيادة القانون وكرامة الإنسان. فالذهب قد يُستخرج من باطن الأرض، لكن قيمة الوطن لا تُقاس بما تحتويه أرضه من ثروات؛ بل بما توفره الدولة من حماية لمن يعيشون عليها، وبما تمنحه العدالة للضحايا من حقيقة وإنصاف، وبما تفعله المؤسسات من واجب حتى لا تتكرر المأساة.
الى اللقاء في المقال الثاني

