بقلم أ/ آدم راشد
مقدمة الحلقة:
في الحلقة الثالثة، تتبعنا جذور المجتمع المدني السوداني من المؤسسات التقليدية قبل 1821، إلى الميلاد الحديث في عهد الحكم الثنائي، حيث وُلدت الجمعيات الأدبية ومؤتمر الخريجين والنقابات العمالية والصحافة والاتحادات النسائية والطلابية. رأينا كيف أن هذه التنظيمات، رغم نشوئها في ظل استعمار، تحولت إلى أدوات مقاومة ونضال من أجل الاستقلال. وعندما جاء الاستقلال عام 1956، كان المجتمع المدني السوداني قد نضج بما يكفي ليكون قوة فاعلة في الدولة الجديدة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ماذا حدث بعد الاستقلال؟ كيف تفاعل المجتمع المدني مع الدولة الوطنية؟ هل نجح في ترسيخ الديمقراطية وحماية الحريات؟ أم أن التجربة انزلقت إلى صعود وهبوط، بين لحظات انتصار وانكسارات متكررة؟
هذه الحلقة الرابعة هي حلقة الاختبار. فيها ننتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الممارسة. سنرى كيف انخرط المجتمع المدني في السياسة، وكيف تحول من قوة ضاغطة إلى قوة حاكمة أحيانًا، وكيف واجه الديكتاتوريات، وكيف قاد الانتفاضات، وكيف أخفق أحيانًا في ترجمة انتصاراته إلى نظام ديمقراطي مستقر. هذه هي حكاية ثلاثة عقود من الصعود والهبوط، من 1956 إلى 1989.
الانخراط في السياسة: من النضال من أجل الاستقلال إلى ممارسة السلطة
عندما نال السودان استقلاله في الأول من يناير 1956، كان المجتمع المدني أمام مفترق طرق. فالتنظيمات التي قادت النضال الوطني — النقابات، ومؤتمر الخريجين، والجمعيات الأدبية، والاتحادات الطلابية والنسائية — أصبحت الآن أمام خيارين: إما الانخراط المباشر في السياسة والحكم، أو البقاء كقوى ضاغطة خارج مؤسسات الدولة.
في الواقع، حدث الأمران معًا. فكثير من قيادات المجتمع المدني انتقلت إلى الأحزاب السياسية، ثم إلى الحكومة والبرلمان. والنقابات العمالية، التي كانت في طليعة النضال ضد الاستعمار، وجدت نفسها تتفاوض مع حكومة وطنية بدلًا من أن تواجه سلطة استعمارية. والاتحاد العام لطلاب السودان، الذي كان مدرسة للعمل السياسي، أصبح منبرًا للصراع بين التيارات السياسية المختلفة.
لكن هذا الانخراط لم يكن سهلًا. فالسودان في سنواته الأولى كان يواجه مشكلات هائلة: اقتصاد هش، وجنوب يطالب بالحكم الذاتي أو الانفصال، وأحزاب سياسية تقليدية تتنافس على السلطة، وجيش يتربص. وفي هذا السياق، لم يكن المجتمع المدني قادرًا دائمًا على الحفاظ على استقلاليته. فبعض التنظيمات تحولت إلى أذرع لأحزاب سياسية، وبعضها فقد بريقه الثوري، وبعضها انقسم على نفسه.
ومع ذلك، ظل المجتمع المدني يحتفظ بقدرة على التحرك. فالنقابات العمالية نظمت إضرابات في الخمسينيات، والصحافة ظلت منبرًا للمعارضة، والاتحاد النسائي واصل المطالبة بحقوق المرأة، والاتحاد الطلابي نظم مظاهرات ضد السياسات الحكومية. وهكذا، دخل المجتمع المدني السوداني عصر ما بعد الاستقلال ليس كضيف على السياسة، بل كفاعل أساسي فيها، لكنه فاعل يعيش تناقضات المرحلة: بين الاستقلال والانخراط، بين المعارضة والمشاركة، بين النضال من أجل المبادئ والمناورة من أجل المصالح.
عهد عبود: 1958–1964، القمع والانتفاضة الأولى
في 17 نوفمبر 1958، وبعد فترة من الصعوبات الاقتصادية والمناورات السياسية التي شلّت الإدارة العامة، قاد الفريق إبراهيم عبود انقلابًا عسكريًا أبيض أطاح بالنظام البرلماني.
كان الانقلاب في ظاهره استجابة لدعوة من رئيس الوزراء عبد الله خليل لإنقاذ البلاد من حالة التدهور، لكن عبود سرعان ما انفرد بالسلطة، وألغى الدستور، وحظر الأحزاب المعارضة، وأقام نظامًا ديكتاتوريًا.
كان المجتمع المدني أول من دفع الثمن. فالنقابات العمالية تعرضت للقمع، والصحافة الحرة قُيّدت، والجمعيات المدنية حُلّت أو أُخضعت للرقابة. لكن القمع لم يكن كاملًا. ففي ظل عبود، ظلت بعض الجمعيات تعمل في الظل، والنقابات واصلت تنظيم العمال سرًا، والاتحاد الطلابي ظل نشطًا في الجامعات. وهكذا، بدأت المقاومة تنمو من داخل المجتمع المدني، حتى وإن كانت تحت سطح السياسة الرسمية.
وقد ساهمت سياسات عبود نفسها في تعميق هذه المقاومة. فقد زاد من نار الحرب الأهلية في الجنوب باستخدامه سياسة العنف المفرط ضد أبناء الجنوب، مما أثار ردود فعل قوية في الشمال، خاصة بين المثقفين . وفي الوقت نفسه، أدى فشل برنامجه الاقتصادي، المقترن بسياسة “الأسلمة” في الجنوب، إلى تقويض شرعيته.
وفي أكتوبر 1964، انفجر الغضب. بدأت الاحتجاجات في الجامعات، ثم انتشرت إلى النقابات والمدن. وفي 26 أكتوبر، أعلن عبود حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة وإقالة الحكومة، مستجيبًا لما سماه “الإرادة الجماعية للشعب”.
لكن هذا لم يكن كافيًا. فالنقابات أعلنت إضرابًا عامًا، والمهنيون — الأطباء والقضاة والمحامون والمعلمون — انضموا إلى الاحتجاجات، والطلاب واصلوا التظاهر . وفي النهاية، اضطر عبود إلى التنازل عن السلطة، وبدأت فترة انتقالية انتهت بانتخابات برلمانية في أبريل 1965.
كانت ثورة أكتوبر 1964 أول انتصار كبير للمجتمع المدني السوداني بعد الاستقلال. فقد أثبتت أن التحالف بين النقابات والمهنيين والطلاب والنساء قادر على إسقاط ديكتاتورية عسكرية. لكنها كشفت أيضًا عن هشاشة هذا ، التحالف. فبعد سقوط عبود، سرعان ما دبت الخلافات بين القوى السياسية، وانقسمت الجبهة الوطنية التي قادت الانتفاضة، وعادت الأحزاب التقليدية إلى الصدارة. وهكذا، تحول الانتصار إلى فرصة ضائعة، أو شبه ضائعة، في تاريخ الديمقراطية السودانية.
الديمقراطية الثانية: 1965–1969، ديمقراطية هشة
بعد انتخابات 1965، تشكلت حكومة ائتلافية من حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة محمد أحمد محجوب، فكانت هذه هي ” الديمقراطية الثانية” في السودان، لكنها كانت ديمقراطية هشة من البداية، فالحكومة واجهت مشكلات اقتصادية حادة، والحرب في الجنوب استمرت، والصراع بين الأحزاب التقليدية لم يتوقف، والجيش ظل يتربص.
وفي هذا السياق، لعب المجتمع المدني أدوارًا متضاربة. فالنقابات العمالية نظمت إضرابات للمطالبة بحقوق العمال، لكنها انقسمت بين مؤيد للحكومة ومعارض لها. والاتحاد الطلابي تحول إلى ساحة صراع بين التيارات اليسارية والإسلامية. والصحافة ظلت منبرًا للنقاش، لكنها عكست أيضًا الانقسامات الحزبية. والاتحاد النسائي واصل نضاله من أجل حقوق المرأة، لكنه لم يحقق إنجازات تشريعية كبيرة في هذه الفترة.
وقد حاول بعض قيادات المجتمع المدني تجاوز الانقسامات. ففي عام 1967، تشكلت “جبهة الهيئات” التي ضمت نقابات ومهنيين وطلابًا، وطالبت بإصلاحات سياسية واقتصادية. لكن هذه الجبهة سرعان ما تفككت بسبب الخلافات الأيديولوجية والتنافس على القيادة. وهكذا، أثبتت الديمقراطية الثانية أن المجتمع المدني، رغم حيويته، ليس قادرًا بمفرده على إنقاذ نظام سياسي هش.
وفي 25 مايو 1969، جاءت الضربة القاضية. قاد العقيد جعفر نميري، مع مجموعة من الضباط الأحرار، انقلابًا عسكريًا أنهى الديمقراطية الثانية . كان الانقلاب بداية عهد جديد، دام ستة عشر عامًا، وشهد تحولات جذرية في علاقة المجتمع المدني بالدولة.
عهد نميري: 1969–1985، بين التأميم والانتفاضة
وصل نميري إلى السلطة في 25 مايو 1969، ببرنامج قومي عربي واشتراكي ثوري، على غرار عبد الناصر في مصر، وفي سنوات الأولى، حاول استمالة النقابات والاتحادات الطلابية، لكنه سرعان ما انقلب عليها، ففي عام 1971، بعد محاولة انقلاب شيوعية، بدأ نميري حملة قمع واسعة ضد اليسار والنقابات المستقلة ثم تأميم النقابات، وحل الاتحادات الطلابية المستقلة، وفرض رقابة صارمة على الصحافة.
لكن عهد نميري لم يكن قمعًا خالصًا. فقد شهد أيضًا محاولات للانفتاح والسلام. ففي عام 1972، وقّع نميري اتفاقية أديس أبابا مع المتمردين في الجنوب، التي منحت الجنوب حكمًا ذاتيًا، وأنهت الحرب الأهلية الأولى مؤقتًا.
وفي هذه الفترة، سمح ببعض الحريات النقابية والصحفية، مما أعطى المجتمع المدني مساحة محدودة للتنفس، لكن هذا النفس لم يدم، ففي عام 1983، وبعد تحولات سياسية واقتصادية، أعلن نميري فرض القوانين الإسلامية على كل السودان، وألغى الحكم الذاتي الاقليمي للجنوب، مما أشعل الحرب الأهلية الثانية التي استمرت لعقود، وفي العام نفسه، أعدم المفكر محمود محمد طه، مما أثار استنكارًا عالميًا واسعًا وبدأت حملة قمع جديدة ضد المعارضين، بمن فيهم النقابات والمهنيين والطلاب.
وفي ظل هذا القمع، نضجت المعارضة داخل المجتمع المدني. فالنقابات العمالية، رغم تأميمها، ظلت تعمل سرًا. والمهنيون — الأطباء والمهندسون والمحامون — نظموا أنفسهم في نقابات مهنية سرية. والاتحاد الطلابي واصل النضال في الجامعات. والنساء نظمن أنفسهن في جمعيات سرية للمطالبة بحقوقهن. وهكذا، تحول المجتمع المدني من قوة ضاغطة علنية إلى شبكة مقاومة سرية.
وفي عام 1985، جاءت النهاية. فبعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية التي بدأت بسبب رفع الأسعار وإلغاء الدعم، بضغط من صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة ، انفجر الغضب. وبدأت الإضرابات في الخرطوم، وانتشرت المظاهرات في المدن. وفي السادس من أبريل 1985، وبينما كان نميري في زيارة للولايات المتحدة، أطاح به انقلاب عسكري بقيادة وزير دفاعه، الفريق عبد الرحمن سوار الذهب.
كانت انتفاضة أبريل 1985 انتصارًا آخر للمجتمع المدني السوداني. فقد أثبتت مرة أخرى أن التحالف بين النقابات والمهنيين والطلاب والنساء قادر على إسقاط الديكتاتورية، لكنها كشفت أيضًا عن سؤال لم يُجب عليه بعد: كيف يمكن تحويل الانتفاضة إلى نظام ديمقراطي مستقر؟ وكيف يمكن للمجتمع المدني أن ينتقل من المقاومة إلى البناء؟
الديمقراطية الثالثة: 1985–1989، الأمل والإخفاق
بعد سقوط نميري، تشكلت حكومة انتقالية برئاسة سوار الذهب، أدارت البلاد لمدة عام، وأجرت انتخابات عامة في ابريل 1986م، فاز حزب الأمة بأغلبية المقاعد، وحل الحزب الاتحادي الديمقراطي ثانيًا، وحصلت الجبهة الإسلامية القومية على 51 مقعدًا، كانت هذه الديمقراطية الثالثة فرصة تاريخية، فقد كان المجتمع المدني في أوج قوته، بعد أن قاد انتفاضتين ناجحتين. وكانت النقابات والمهنيون والاتحاد الطلابي والاتحاد النسائي والصحافة كلها في حالة نشاط غير مسبوق. وطرحت مبادرات سلام، مثل “إعلان كوكادام” الذي حاولت منظمات المجتمع المدني من خلاله التوصل إلى حل سلمي للحرب في الجنوب، لكن هذه الفرصة ضاعت، فرئيس الوزراء السيد الصادق المهدي، رغم خطابه الإصلاحي في البداية، لكنه خضع مضطرا لتأثير الضغوط والمناورات الحزبية، وتشكلت اربع حكومات في ثلاثة سنوات وشهرين وبضعة ايام، مما أدى إلى شلل في الإدارة، والحرب في الجنوب مستمرة، بل اتسعت، مع عجز الحكومة عن توفير متطلبات الجيش.
واتفاق السلام الذي عقده الحزب الاتحادي الديمقراطي مع الحركة الشعبية، بقيادة جون جارانج، رفضه الصادق المهدي، مما أدى إلى تفاقم الأزمة.
وفي خضم هذا الإخفاق، برزت الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي كقوة معارضة منظمة. فبينما كانت الأحزاب التقليدية تتخبط، كانت الجبهة الإسلامية تبني شبكة واسعة من المنظمات الطلابية والنقابية والاجتماعية، وتستعد للاستيلاء على السلطة. وفي 30 يونيو 1989، قاد العميد عمر حسن أحمد البشير انقلابًا عسكريًا أطاح بحكومة الصادق المهدي، وهكذا انتهت الديمقراطية الثالثة، وقد ذكر البشير لاحقًا مبررا بأن الانقلاب كان “عملًا عسكريًا بحتًا”، وأنه استند إلى عجز القوى السياسية في إدارة الشأن العام للبلاد، لكن الحقيقة أن المجتمع المدني، رغم قوته، لم يكن قادرًا على حماية الديمقراطية. فقد انقسمت النقابات، وتشرذمت الأحزاب، وتنازعت القيادات، وضاعت الفرصة، وكانت النتيجة ثلاثة عقود من الديكتاتورية والقمع والحروب، أقسى ماعرفه السودان في تاريخه الحديث.
خاتمة الحلقة الرابعة: دروس من ثلاثين عامًا
في هذه الحلقة، تتبعنا مسيرة المجتمع المدني السوداني بعد الاستقلال، من 1956 إلى 1989. رأينا كيف انخرط في السياسة، وكيف واجه الديكتاتوريات، وكيف قاد انتفاضتين ناجحتين — أكتوبر 1964 وأبريل 1985 — أسقطتا نظامين عسكريين. ورأينا كيف أخفق، أو كاد يخفق، في ترجمة هذه الانتصارات إلى نظام ديمقراطي مستقر. فالديمقراطية الثانية (1965–1969) انهارت بسرعة، والديمقراطية الثالثة (1985–1989) انتهت بانقلاب عسكري.
ما الدروس المستخلصة؟ أولًا، أن المجتمع المدني السوداني قادر على المقاومة والإسقاط، لكنه أقل قدرة على البناء والحكم. فهو ينجح في اللحظات الانتفاضية، لكنه يتشرذم في اللحظات السياسية العادية. وثانيًا، أن الانقسامات الأيديولوجية والحزبية، التي تعكس انقسامات المجتمع نفسه، تضعف قدرة المجتمع المدني على التنسيق والاستمرارية. وثالثًا، أن الديكتاتوريات تتعلم من تجاربها: فكل نظام عسكري بعد عبود كان أكثر دهاءً في التعامل مع المجتمع المدني، حتى وصل البشير إلى قمعه بالكامل.
هذه الدروس ستكون مهمة في الحلقة الخامسة، حيث سنتناول عهد البشير، من 1989 إلى 2019. كيف واجه المجتمع المدني أقسى أنواع القمع؟ كيف نجح في الحفاظ على نفسه في الظل؟ وكيف فجّر ثورة ديسمبر 2018–2019 التي أطاحت بالبشير؟ هذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة.

