دكتور/ إبراهيم الضي محمد أزرق
باحث وأكاديمي.
لم تعد أزمة تأشيرة دخول الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الولايات المتحدة مجرد خلاف إجرائي يتعلق بالمشاركة في إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل تحولت إلى مؤشر سياسي جديد على طبيعة العلاقة المتوترة بين واشنطن والسلطة العسكرية في السودان، وعلى إتساع الفجوة بين الرؤية الأمريكية لمسار الحرب السودانية وبين خطاب القيادة العسكرية في الخرطوم.
فحتى 22 سبتمبر 2026، لم تكن الولايات المتحدة قد أصدرت تأشيرة دخول للبرهان للمشاركة في إجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، رغم أن الأمم المتحدة تدخلت لدى السلطات الأمريكية، وأعرب الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن قلقه من عدم إصدار التأشيرة، داعيا الدولة المضيفة إلى الإلتزام بإلتزاماتها بموجب إتفاقية المقر.
لكن التطور الأكثر أهمية جاء من الجانب السياسي ،فقد أفادت وكالة رويترز، نقلا عن مصادر دبلوماسية، بأن واشنطن كانت تربط إصدار التأشيرة بقبول البرهان مقترح هدنة لمدة 90 يوما، وهو المقترح الذي طرحه كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وبحسب المصادر نفسها، لم يوافق البرهان على الشرط، وهنا تتجاوز المسألة حدود التأشيرة لتصبح جزءا من الصراع الدبلوماسي حول مستقبل الحرب في السودان.
إن ربط الدخول إلى الأراضي الأمريكية، وفق ما أوردته المصادر، بموقف من الهدنة يعكس إنتقال واشنطن من التعامل مع الأزمة السودانية بإعتبارها مجرد نزاع داخلي إلى ممارسة ضغط مباشر على الأطراف المتحاربة من أجل دفعها نحو وقف القتال.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن كلا من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكذلك قائديهما، لا يمثلان حكما دستوريا شرعيا للسودان، وقالت إن واشنطن تريد إعادة السلطة إلى الشعب السوداني، مع زيادة الضغط على الأطراف والشبكات التي تغذي الحرب.
وهذه الرسالة الأمريكية تحمل دلالة سياسية تتجاوز شخص البرهان نفسه؛ فهي تشير إلى أن واشنطن لا تنظر إلى إستمرار الحرب بإعتباره طريقا مقبولا لإنتاج شرعية سياسية جديدة، وأنها تضع إنهاء القتال والعودة إلى مسار سياسي مدني ضمن أولوياتها المعلنة.
في المقابل أثارت الخرطوم المسألة أمام الأمم المتحدة، وطالبت الأمين العام بالتدخل لضمان إصدار التأشيرة للبرهان ووفده وإستندت الحكومة السودانية إلى إتفاقية المقر الموقعة عام 1947، والتي تنظم علاقة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة وتفرض إلتزامات تتعلق بتسهيل وصول ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر المنظمة.
وهنا تظهر إشكالية قانونية وسياسية معقدة: هل تستطيع الدولة المضيفة إستخدام قوانينها وإعتباراتها الأمنية والسياسية لتقييد دخول البرهان بإعتباره لا يمتلك أي شرعية دستورية لتمثيل السودان وهي دولة عضوا في الأمم المتحدة، أم أن الأمم المتحددة متمسكة بإتفاقية المقر ، ولا تعير تقديرات السلطات الأمريكية أدني إهتمام؟
ولذلك فإن أزمة البرهان تضع العلاقة بين الدولة المضيفة والمنظمة الدولية أمام إختبار جديد.
ولا يمكن فصل أزمة التأشيرة عن السياق الأوسع للعلاقات الأمريكية السودانية، فقد فرضت الولايات المتحدة في يناير 2025 عقوبات على البرهان، متهمة إياه بإرتكاب إنتهاكات مرتبطة بالحرب وعرقلة جهود السلام.
وبذلك فإن موقف واشنطن الحالي لا يأتي من فراغ، بل يأتي بعد سنوات من التوتر والعقوبات والضغوط الدبلوماسية، وفي ظل حرب دخلت عامها الرابع وأدت إلى إنهيار واسع في البنية الإقتصادية والإجتماعية والإنسانية للسودان.
السؤال الأهم لم يعد: هل سيحصل البرهان على التأشيرة أم لا؟
بل أصبح: هل تستخدم الولايات المتحدة أدواتها الدبلوماسية والإقتصادية للضغط على طرفي الحرب من أجل الوصول إلى وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام تسوية سياسية؟
التصريحات الأمريكية الأخيرة تشير إلى أن واشنطن تتجه نحو زيادة الضغط على جميع الأطراف التي ترى أنها تغذي الحرب ،كما أكدت ضرورة قبول هدنة إنسانية والدخول في حوار سياسي شامل يقود إلى حكومة مدنية.
فإنهاء الحرب ليس مجرد وقف لإطلاق النار، وإنما هو بداية لإستعادة الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون والمواطنة، ووضع السودان على طريق سياسي تكون فيه الشرعية مستمدة من إرادة السودانيين، لا من قوة السلاح.

