الجمعة, أكتوبر 30, 2026

بقلم: أ/ آدم راشد

حين تمعن النخب في الهروب من استحقاقات الحقيقة، تلجأ غالباً إلى إشاعة الأوهام حول “استحالة العدالة” أو “تعارضها مع السلام”، متناسية أن الأوطان التي تُبنى على رمال الإفلات من العقاب لا تلبث أن تنهار عند أول اختبار جدي. ولم يكن مستغرباً في خضم هذا المخاض العسير أن تخرج علينا أصوات من داخل المنظومة المكلفة بإدارة الحوار الوطني—تمثلت مؤخراً في التصريحات الصادمة للبروفيسور قاسم بدري التي قللت من شأن المحاسبة واعتبرت العدالة “حاجة غير مهمة”—وهو ما أثار موجة غضب عارمة توجت بإصدار “التحالف السوداني للعدالة والمحاسبة” بياناً تاريخياً يدين ويستنكر فيه هذا السلوك والانزلاق الخطير نحو مقايضة دماء الضحايا بتسويات فوقية باهتة. إن هذه التطورات، وما يكتنف المشهد من تعقيدات قانونية وقضائية، تضعنا أمام ضرورة ملحة لتفنيد الاتجاهات الخاطئة والمضللة، والغوص عميقاً في ماهية العدالة الانتقالية، وأهدافها، وتلازمها العضوي مع السلام، وتجارب الأمم في مواجهة إرث الانتهاكات.

العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات جنائية تقليدية أو انتقام سياسي عابر، بل هي منظومة متكاملة من التدابير القضائية وغير القضائية التي تطبقها الدول المنتقلة من حروب أهلية أو أنظمة شمولية مدمرة نحو الديمقراطية. موضوعها الأساسي هو معالجة الإرث الضخم والواسع النطاق للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي عجزت المؤسسات العادية عن محاكمتها. أما أهدافها فتتمثل في كشف الحقيقة الكاملة للضحايا، تحقيق المساءلة الفعالة للمجرمين، تقديم جبر الضرر المادي والمعنوي، وضمان عدم تكرار المأساة عبر إصلاح مؤسسات الدولة. وفي الحالة السودانية، حيث تداخلت حروب الهامش مع إبادة المدن وقمع الثورات، وحيث تعرضت مؤسسات العدالة والنيابة والقضاء لتديجين ممنهج طوال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ والدولة العميقة، فإن العدالة الانتقالية ليست ترفاً فكرياً أو خياراً يمكن تأجيله، بل هي طوق النجاة الوجودي الوحيد لإعادة بناء العقد الاجتماعي الممزق على أسس من المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية.

إن السقطة الكبرى التي يقع فيها بعض الأكاديميين والسياسيين هي الترويج للمقولة المضللة القائلة بأن “العدالة تعرقل السلام”، والاعتقاد بأن إعطاء صكوك الغفران للقتلة ومجرمي الحرب هو الثمن الواجب دفعه لتحقيق الاستقرار. إن هذه المقولة تفندها أبسط قواعد العدالة الانتقالية والتجارب الدولية؛ فالتلازم بين السلام والعدالة هو تلازم عضوي لا يقبل التجزئة. إن السلام الذي يُبنى على جماجم الضحايا وتُطوى فيه ملفات الجرائم والانتهاكات تحت غطاء المصالحة الرخيصة ليس سلاماً حقيقياً، بل هو هدنة مسلحة تؤجل الانفجار وتمنح الجناة حصانة لمواصلة جرائمهم.

إن الضحايا والنازحين والناجيات من العنف الجنسي وأسر الشهداء لا يمكن أن يشعروا بالأمان أو يقبلوا بالتعايش ما لم يرو العدالة تتحقق. فلا سلام مستدام بلا عدالة، ولا عدالة بلا بيئة آمنة يضمنها سلام حقيقي.

جاء بيان “التحالف السوداني للعدالة والمحاسبة” ليمثل حائط صدٍ أخلاقي وقانوني منيع ضد محاولات تسويق الإفلات من العقاب، وليستنكر بأشد العبارات تصريحات رئيس لجنة الحوار الوطني. لقد أكد البيان بوضوح حاسم أن محاولة استصغار دور العدالة والمحاسبة ووصفها بـ “غير المهمة” يمثل طعنة ناجزة في ظهر ملايين الضحايا، وانزلاقاً خطيراً نحو تطبيع الجريمة. إن هذا الموقف الشجاع للتحالف يجسد نبض الشارع السوداني الثوري وحرصه على ألا يُعاد تدوير نظام الاستبداد والفلول عبر تسويات فوقية تتقاسم الكراسي على حساب دماء الأبرياء.

وفي خضم السعي الحثيث لتحقيق العدالة والمساءلة، والمطالبة بتسليم المطلوبين لدى المحكمة الجنائية وهم المخلوع البشير وبقية المطلوبين، تبرز تعقيدات الواقع القضائي في السودان وخارجه؛ فبينما علقت المحكمة الاتهام في مواجهة عبد الله بندا القائد الميداني بحركة العدل والمساواة لعدم وجود سند قانوني يجعله مطلوباً، تظل قائمة المطلوبين للعدالة الدولية والمحلية تضم أسماء أخرى بارزة، على رأسها أحمد هارون الذي انخرط بوضوح في عمليات تحشيد المستنفرين وتأجيج الصراع. هذا التباين في المراكز القانونية يفرض تحديات كبرى، يتقدمها وجود “فراغ تشريعي وهيكلي” في بنية العدالة الجنائية الدولية هذا من ناحية وناحية اخرى وجود عقبات حقيقية في مسألة الولاية القضائية العالمية (Universal Jurisdiction)داخل الدول الغربية والبلدان التي تعتمد هذا الاختصاص القضائي لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب. إن هذا الفراغ يتطلب اليوم وأكثر من أي وقت مضى ضرورة إقامة “شراكات ذكية” وفاعلة بين المنظمات الحقوقية الوطنية والنظيرة لها في الغرب، وتطوير آليات قانونية عابرة للحدود لقفل كافة منافذ الإفلات من العقاب وتضييق الخناق على الفارين من العدالة، وبذل كافة الجهود والوسائل من اجل تسليمهم للمحاكمة، وبعث رسالة قوية ورادعة لكل من تسول له نفسه ارتكاب جرائم وانتهاكات في هذه الحرب الحالية.

حين نستنطق التاريخ البشري، نجد أن الأمم التي حاولت القفز فوق أشواك العدالة الانتقالية قد اكتوت بنيران حروب أشد ضراوة؛ فتجارب أمريكا اللاتينية أثبتت أن قوانين العفو الذاتي باءت بالفشل أمام إصرار لجان الحقيقة، وتجربة جنوب إفريقيا وضعت مبدأ صارماً بألا عفو مجانياً بلا اعتراف كامل بالذنب، بينما تؤكد آليات الأمم المتحدة أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم. ولتجسيد ذلك محلياً، يبرز الدور التاريخي للمجتمع المدني السوداني كحارس للضمير الوطني الأخير، لتوثيق الجرائم وفق المعايير الدولية وكسر طوق الإنكار والسرية.

إن محاولات الالتفاف على العدالة عبر الخطابات المضللة محكوم عليها بالفشل الذريع. إن دماء السودانيين الطاهرة ليست سلعة رخيصة في سوق مساومات التسويات السياسية الفوقية. وكما أكد بيان التحالف السوداني للعدالة والمحاسبة، فإن طريق السلام الوحيد يمر حتماً عبر بوابة العدالة الناجزة والمحاسبة الصارمة لكل من أجرم في حق هذا الشعب، بإغلاق كل منافذ الإفلات من العقاب عبر شراكات قضائية دولية ذكية ومحاسبة لا تعرف التهاون.