الجمعة, أكتوبر 30, 2026

بقلم: دكتور/ ابراهيم الضي محمد أزرق.

باحث وأكاديمي.

إن قرار رئيس المجلس الرئاسي التأسيسي، محمد حمدان دقلو، بتكوين آلية عسكرية/ أهلية لمعالجة النزاع القائم في مقاطعة هيبان بإقليم جنوب كردفان/جبال النوبة، يمثل خطوة مهمة في إتجاه إستشعار المسؤولية الوطنية، والسعي إلى وقف نزيف الدم السوداني، ومعالجة الخلافات الداخلية بالحوار والوسائل السلمية بدلا من تركها تتفاقم وتتحول إلى صراعات مفتوحة.

ويأتي هذا النزاع، في جوهره، بين الحركة الشعبية ومجتمع قبيلة الأطورو، وهو ما يجعل مهمة اللجنة أكثر حساسية، ويضع أمامها مسؤولية تاريخية تتجاوز مجرد معالجة حادثة أو إحتواء أزمة مؤقتة، إلى البحث عن جذور المشكلة ومعالجة أسبابها بصورة شاملة ومستدامة.

وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية بين عقلية تأسيسية جديدة تسعى إلى بناء دولة تقوم على حفظ حياة المواطنين، وصون الدم السوداني، ومعالجة النزاعات بين المكونات المختلفة بالعدل والإنصاف، وبين ما يمكن وصفه بعقلية دولة 56 النخبوية التي إرتبطت، في نظر السودانيين، بسياسات التمييز في التعامل مع الأزمات، بحيث تبذل جهود كبيرة لمعالجة أزمات في مناطق بعينها، بينما تشعل نار الفتنة وجر المجتمع إلى الإقتتال في أقاليم أخرى.

تشكلت الإلية من كفاءات عسكرية رفيعة وقيادات أهلية وهذا يدل على درجة الإهتمام التي توليه القيادة لهذا الصراع ، وتبقي القيمة الفعلية لهذه الآلية في ما ستقدمه من درس جديد في إدارة النزاعات، ولذلك فإن المطلوب منها أن تعمل بأعلى درجات الحياد والتجرد والإستقلالية، وأن تتعامل مع جميع أطراف النزاع بإعتبارهم مواطنين سودانيين متساوين في الحقوق والواجبات، دون إنحياز لطرف على حساب آخر.

كما ينبغي أن تعمل اللجنة بروح الفريق الواحد، وأن تتبنى منهج العلاج الكلي بدلا من معالجة الأعراض فقط؛ فالنزاعات المحلية لا تنشأ في الغالب من فراغ، وإنما تتداخل فيها عوامل إجتماعية وسياسية وأمنية وإدارية وتاريخية، الأمر الذي يتطلب تشخيصا دقيقا لجذور الأزمة، والإستماع إلى جميع الأطراف، والوصول إلى حلول قابلة للإستمرار ، والأهم من ذلك هو الشفافية، فالرأي العام السوداني يحتاج إلى معرفة حقيقة مايجري، وليس إلى نتائج مغلقة أو بيانات عامة لا تجيب عن الأسئلة الأساسية.

ومن ثم ينبغي تمليك الرأي العام المعلومات والوقائع والمخرجات بصورة واضحة، وبمصداقية وتجرد، مع تحديد المسؤوليات والضمانات التي تمنع تكرار النزاع.

إن نجاح آلية هيبان يمكن أن يشكل أنموذج مهم في كيفية تعامل السلطة مع النزاعات الداخلية، ويؤكد أن الدولة الجديدة لا تنظر إلى مناطق السودان ومكوناته بمعايير مختلفة، وأن حياة المواطن السوداني لها القيمة نفسها أينما كان، وأن معالجة النزاعات ينبغي أن لا تخضع إلى نفوذ طرف أو سلطته السياسيه والعسكرية ولا أدنى إعتبار للإنتماء الجغرافي أوالإثني ، فقط التركيز على المشكلة وعلاجها من جذورها.

فالسودان اليوم في حاجة إلى منهج جديد يتجاوز عقلية تأجيج الصراع والتصنيف والإقصاء، ويؤسس لثقافة سياسية وإجتماعية تقوم على الإعتراف بالتنوع، وإدارة الإختلاف، والإحتكام إلى الحوار والعدالة، بدلا من تحويل التباينات إلى وقود دائم للحروب.

إن السودان الذي نريده ليس مجتمعا خاليا من الإختلافات؛ فهذا أمر غير واقعي، وإنما سودان يمتلك القدرة على إدارة إختلافاته بصورة حضارية، وتحويل تنوعه من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة.

ومن هنا، فإن إختبار لجنة هيبان الحقيقي ليس فقط في قدرتها على إيقاف نزاع قائم، وإنما في قدرتها على تقديم نموذج جديد للدولة في حماية مواطنيها، وإدارة خلافاتهم، وحفظ دمائهم، وبناء السلام من جذوره.

فالسودان يحتاج اليوم إلى أن ينتقل من عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية منع الأزمات وبناء السلام والتنمية، ومن إستهلاك طاقاته في الصراع إلى توجيهها نحو النمو والنهوض والتقدم.