كيف نكسر “تابوهات” الهوية والدين لنعبر إلى الوطن؟ (6)
بقلم: آدم راشد _ المحامي
حين يتأمل المرء خريطة الوجع الإنساني، وتقلبات التاريخ بين رماد الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية، ومقابر الإبادة الجماعية في رواندا، وويلات “الستار الحديدي” في أوروبا الشرقية، يبرز السؤال الوجودي الأكثر إيلاماً: هل السودان هو صاحب “الرقم القياسي العالمي” في حجم المآسي والانتهاكات مقارنة بكل هذه التجارب؟ وهل ما يمر به هذا البلد الفريد يتجاوز كل حدود التحمل البشري؟
أولاً: هل السودان صاحب الرقم القياسي العالمي في الألم؟
إن لغة الأرقام والمقارنات التاريخية لا تُقاس فقط بعدد الضحايا المطلق، بل تُقاس بنوعية الانتهاكات، واستمرارية النزيف، وبنية الصراع.
إذا كانت الإجابة “لا” رقمياً: فالعالم شهد محارق كبرى؛ فرواندا فقدت 800 ألف إنسان في مئة يوم، وأوروبا الشرقية وتحت وطأة الشمولية الشيوعية أذاقت شعوبها صنوف التطهير، وفي أمريكا اللاتينية اختفى عشرات الآلاف في أقبية الأنظمة العسكرية.
ولكن، إذا كانت الإجابة “نعم” موضوعياً وبنوياً: فإن السودان يحطم أرقاماً قياسية من نوعٍ آخر؛ فهو البلد الوحيد الذي جمع في سياق تاريخي واحدٍ متصلٍ كل أشكال الكوارث الإنسانية: إبادة جماعية ممنهجة، وتطهير عرقي، وتشريد داخلي وخارجي غير مسبوق (أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم المعاصر)، واغتصاب مُمنهج كسلاح حرب، واقتصاد حرب مشوه، إلى جانب تفتيت مقصود للنسيج الاجتماعي. الأهم من ذلك أن السودان لم يعرف “استقراراً حقيقياً” منذ استقلاله إلا نادراً؛ فهو يدور في ساقية دموية لا تنتهي، مدفوعاً بإنكار أزلي لحقائق جوهرية.
ثانياً: سر الوجع.. حين تصبح “التابوهات” سلاحاً فتاكاً
إن الخراب الذي يعيشه السودان اليوم ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج حتمية تاريخية لرفض المجتمع والنخبة مواجهة “التابوهات” الكبرى التي تُحرس بالصمت والخوف. فبينما نجحت أمريكا اللاتينية في فتح ملفات “الحرب القذرة”، ونجحت جنوب أفريقيا في تفكيك “الأبارتايد”، لا يزال السودان سجيناً لمحرمات قاتلة:
تابو توظيف الدين في الصراع السياسي :
حيث تحولت العقيدة السمحة إلى أداة استقطاب أيديولوجي حاد، يُكفّر فيها المخالف أو تُخوّن آراؤه. التابو الأكبر يكمن في إنكار الحقيقة الناصعة: أن التنوع الديني والثقافي الهائل في السودان لا يمكن إدارته بنموذج أحادي يفرض هوية ثقافية أو دينية أو لغوية واحدة على كامل الشعوب السودانية. إن هذا الإنكار هو الذي فجّر الحروب في الجنوب والغرب وجبال النوبة والنيل الأزرق.
تابو الاستعلاء العرقي والثقافي (الهوية المُتَشظية):
رفض الاعتراف بأن الدولة السودانية أُسست بنيوياً لخدمة “مركز ثقافي محدد” على حساب “هامش واسع”، مع استمرار الرواسب العميقة للاستعلاء العرقي والنظرة الدونية للآخر المختلف.
تابو محاسبة الدولة العميقة والحرس القديم :
التستر على جرائم الانتهاكات الجسيمة بصفقات “عفو سياسي” هشة، تضمن إفلات الجناة من العقاب وتعيد تدوير الاستبداد تحت يافطة السلام المزيف.
ثالثاً: هندسة العبور.. كيف نخرج من النفق؟
إذا أردنا للسودان أن يكتب نهاية سعيدة لمأساته، فلا بد من دمج مسارات بناء السلام، والعدالة الانتقالية، والتأسيس الدستوري في سبيكة واحدة لا تقبل التصدع، وذلك عبر الآليات التالية:
أولاً: كسر تابو الهوية والدين: الاعتماد المطلق لمبدأ “المواطنة المتساوية”؛ حيث لا فضل لعرق أو جهة أو دين على الآخر إلا بسيادة القانون. فصل الدولة عن الأيديولوجيات الحزبية أو الدينية الضيقة، وجعل التنوع الثقافي والديني واللغوي هو “مصدر غنى ووحدة” لا مهدداً للانفصال.
ثانياً: عدالة انتقالية لا تساوم على الدم: توثيق الانتهاكات، ومحاسبة رؤوس الإجرام بغض النظر عن مناصبهم، وجبر ضرر الضحايا (وخاصة النساء والأطفال ضحايا العنف الجنسي)، وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية لتخضع لسلطة مدنية ديمقراطية.
ثالثاً: عقد اجتماعي ودستور توافقي: صياغة دستور دائم عبر حوار وطني شامل لا يُقصي أحداً، يترجم مخرجات العدالة الانتقالية إلى نصوص قانونية تمنع عودة الاستبداد أو هيمنة أي مجموعة على مقدرات الوطن.
خاتمة: فجرٌ يُولد من رحم الرماد
إن السودان، وإن بدا اليوم غارقاً في عتمة سحيقة تجعله كمن يحطم أرقام الألم في تاريخ البشرية، إلا أنه يمتلك ذات الوقت إرادة لا تُكسر من أبنائه وبناته الأحرار، وشبابٍ يوثقون الجراح ويحرسون الذاكرة.
إن الشعوب العظيمة هي التي تستحيل دموعها إلى حبرٍ لتوقيع وثائق الخلاص. وحين يمتلك السودانيون الشجاعة لكسر “التابوهات” القاتلة، ويستبدلون ثقافة الإقصاء بثقافة الاعتراف، ويضعون العدالة في قلب السلام، فلن يكون ذلك مجرد خروج من محنة، بل سيكون ميلاداً لجمهورية جديدة تليق بتضحيات شهدائها، وتجعل من ألم الماضي درعاً يحمي مستقبل الأجيال. إن فجر الديمقراطية الحقيقية قادم لا محالة، متى ما أدرك الجميع أن الوطن أوسع من أي هوية أحادية، وأن العدالة هي وحدها التي تصنع الحياة.

