بريسيلا ب.هاينر: حين يصبح البحث عن الحقيقة طريقاً إلى العدالة..(4)

بقلم: آدم راشد
من شهادات الضحايا إلى ذاكرة الأمم؛ كيف أسهمت هاينر في ترسيخ لجان الحقيقة وتطوير مفهوم العدالة الانتقالية؟
ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا تكون فيها المشكلة أن الحقيقة مجهولة فحسب، بل أن هناك من يريد لها أن تظل مجهولة؛ لحظات تختلط فيها الوقائع بالإنكار، وتُدفن فيها الشهادات تحت ركام الخوف، ويصبح الصمت سياسة، والنسيان مطلباً، والحديث عن الماضي تهديداً للاستقرار السياسي. وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود البحث عن الحقيقة مجرد عمل توثيقي أو أكاديمي، بل يتحول إلى ضرورة أخلاقية وقانونية، وإلى خطوة أولى في طريق استعادة كرامة الإنسان وإعادة بناء المجتمع.
من هنا تبرز أهمية إسهام الباحثة الأمريكية بريسيلا ب. هاينر، التي كرست جانباً مهماً من عملها البحثي لدراسة لجان الحقيقة، وتحليل تجاربها في المجتمعات التي عانت من الحروب والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان. وقد ارتبط اسمها بأحد أهم الكتب المرجعية في هذا المجال، وهو كتابها الشهير –
)Unspeakable Truths: Transitional Justice and the Challenge of Truth Commissions (
والذي يمكن ترجمة عنوانه إلى “حقائق لا يمكن السكوت عنها: العدالة الانتقالية وتحدي لجان الحقيقة”.
لم تكن هاينر مجرد باحثة جمعت تجارب لجان الحقيقة في كتاب، بل كانت من الأصوات التي ساعدت على تحويل هذه التجارب المتفرقة إلى مجال معرفي قابل للدراسة والمقارنة والتقييم. وقد فتحت من خلال عملها أسئلة عميقة حول طبيعة الحقيقة، وحدود المصالحة، وعلاقة كشف الانتهاكات بالمحاسبة القضائية، ومكانة الضحايا في مسارات العدالة الانتقالية.
من هي بريسيلا هاينر؟
بريسيلا ب. هاينر كاتبة وباحثة أمريكية متخصصة في العدالة الانتقالية وعمليات البحث الرسمي عن الحقيقة في المجتمعات التي شهدت انتهاكات جسيمة لجقوق الانسان، وهي من المشاركات في تأسيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية –
( International Center for Transitional Justice – ICTJ )
كما تولت فيه مسؤوليات بحثية وبرنامجية، من بينها إدارة برنامج والعمل في مكتب جنيف، وقد انصب اهتمامها على دراسة كيفية تعامل الدول والمجتمعات مع إرث القتل السياسي والتعذيب والاختفاء القسري والانتهاكات المنظمة، وعلى وجه الخصوص الدور الذي يمكن أن تؤديه لجان الحقيقة في كشف الوقائع، وإتاحة المجال أمام الضحايا والشهود للإدلاء بشهاداتهم، وتقديم صورة أوسع عن أنماط الانتهاكات ومسؤوليات المؤسسات والأفراد.
ولم يكن اهتمامها محصوراً في التجربة الجنوب أفريقية، التي حظيت باهتمام عالمي واسع بعد إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة، بل امتد إلى تجارب أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، حيث درست نماذج مختلفة من لجان تقصي الحقيقة، واختلاف صلاحياتها وطرق عملها ونتائجها.
وهنا تكمن إحدى نقاط تميزها: أنها لم تتعامل مع لجنة الحقيقة باعتبارها مؤسسة ذات شكل واحد يمكن نقله من بلد إلى آخر، بل نظرت إليها باعتبارها تجربة تتأثر بتاريخ المجتمع، وطبيعة الانتهاكات، والظروف السياسية التي أنشئت في ظلها، ومدى استقلالها، والصلاحيات التي مُنحت لها.
«حقائق لا يمكن السكوت عنها»: الكتاب الذي وضع لجان الحقيقة تحت المجهر
) Unspeakable Truths (
صدر كتاب هاينر هذا للمرة الأولى عام 2001، ثم صدرت طبعته الثانية الموسعة عام 2011 بعنوان فرعي يركز على العدالة الانتقالية وتحديات لجان الحقيقة، وقد أصبح الكتاب مرجعاً بارزاً في دراسة لجان الحقيقة، ليس لأنه يدافع عنها بصورة مطلقة، وإنما لأنه يدرسها بعين نقدية، ويطرح أسئلة تتجاوز الحماسة الأولية لإنشاء هذه اللجان.
في طبعته الثانية، قدمت هاينر مراجعة واسعة لأربعين لجنة حقيقة، مستفيدة من مئات المقابلات ومراجعة الأدبيات المتخصصة، كما تناولت عشرين لجنة إضافية لم تكن مشمولة بالطبعة الأولى. وبهذا لم يعد الكتاب مجرد عرض لتجارب مشهورة، بل أصبح دراسة مقارنة واسعة تساعد على فهم تطور هذه الآلية وتنوع أشكالها.
ويكتسب بناء الكتاب أهمية خاصة؛ إذ لا يكتفي بتعريف لجان الحقيقة أو سرد تاريخها، بل يتنقل بين أسئلة تأسيسية وعملية: لماذا تنشأ لجنة الحقيقة؟ ما الذي ينبغي أن تبحث فيه؟ كيف تتعامل مع الضحايا والشهود؟ هل يجوز لها تسمية المسؤولين عن الانتهاكات؟ ما علاقتها بالمحاكم الجنائية؟ وهل تؤدي معرفة الحقيقة بالضرورة إلى المصالحة؟ وكيف يمكن ربط نتائجها بجبر الضرر وإصلاح المؤسسات؟
إن هذه الأسئلة هي التي جعلت الكتاب مرجعاً يتجاوز دراسة لجان الحقيقة وحدها، ليمس جوهر العدالة الانتقالية بوصفها مشروعاً لإعادة بناء علاقة المجتمع بماضيه ومستقبله.
لماذا تحتاج المجتمعات إلى لجان الحقيقة؟
قد يتساءل البعض: إذا كانت المحاكم قادرة على محاكمة مرتكبي الجرائم، فلماذا تحتاج المجتمعات إلى لجان الحقيقة؟ أليست المحكمة هي الجهة المختصة بكشف الجريمة وتحديد المسؤولية وإصدار الأحكام؟
تجيب تجربة هاينر بأن المحاكم، على أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تستوعب جميع أبعاد الانتهاكات واسعة النطاق.
فالمحكمة تنظر عادة في وقائع محددة، وتبحث في مسؤولية أشخاص معينين، وتلتزم بقواعد الإثبات والإجراءات والاختصاص. أما لجنة الحقيقة، إذا امتلكت تفويضاً واضحاً واستقلالاً وصلاحيات مناسبة، فيمكنها أن تتناول نمطاً أوسع من الانتهاكات، وأن تستمع إلى عدد كبير من الضحايا والشهود، وأن تبحث في السياقات المؤسسية والسياسية التي سمحت بوقوع الجرائم واستمرارها.
فقد تكشف محاكمة جنائية مسؤولية قائد عن جريمة محددة، لكنها لا تتناول بالضرورة شبكة المؤسسات التي سهلت ارتكابها، أو السياسات التي جعلت الانتهاكات ممارسة متكررة، أو الأثر الذي تركته تلك الجرائم على مجتمعات بأكملها.
ومن هنا تأتي أهمية لجان الحقيقة: إنها تساعد على الانتقال من معرفة الجريمة باعتبارها واقعة منفردة إلى فهمها باعتبارها جزءاً من سياق أوسع، قد يتضمن سياسات أو ممارسات مؤسسية أو أنماطاً متكررة من الانتهاكات.
لكن هاينر لا تقدم لجان الحقيقة باعتبارها بديلاً عن القضاء، بل تضعها ضمن منظومة أوسع للعدالة الانتقالية، تتكامل فيها الحقيقة مع المساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.
ما الحقيقة التي نبحث عنها؟
لعل من أكثر الأسئلة عمقاً في كتاب هاينر سؤال يبدو بسيطاً: ما الحقيقة؟
فالحقيقة في سياق الانتهاكات الجسيمة ليست مجرد تحديد تاريخ وقوع الحادثة ومكانها وعدد الضحايا. إنها تتضمن معرفة ما جرى، ومن تعرض للانتهاك، وكيف وقع، ومن قام به، وما الظروف التي سمحت بحدوثه، وما إذا كانت هناك أوامر أو سياسات أو أنماط مؤسسية وراءه.
وقد تكون هناك روايات متباينة حول الواقعة الواحدة، وقد يتعمد بعض الأطراف إخفاء المعلومات أو إتلاف الأدلة أو التأثير على الشهود. لذلك لا تستطيع لجنة الحقيقة أن تكتفي بجمع الشهادات دون منهجية للتحقق والمقارنة والتوثيق.
ومن الضروري هنا التمييز بين الحقيقة التاريخية التي تسعى اللجنة إلى تكوين صورة واسعة عنها، والحقيقة القضائية التي تثبت وفق قواعد الإثبات في المحاكم. فالتقرير الذي تصدره لجنة الحقيقة قد يشكل مصدراً مهماً للمعلومات والتوثيق، لكنه لا يحل تلقائياً محل الحكم القضائي، ولا يغني عن التحقيق الجنائي حين تكون هناك مسؤولية تستوجب المحاكمة.
وتلفت هاينر الانتباه كذلك إلى أن الحقيقة ليست دائماً سهلة أو مكتملة؛ فقد تظل بعض الوقائع غير محسومة بسبب غياب الوثائق أو وفاة الشهود أو استمرار الخوف أو تعذر الوصول إلى مواقع الانتهاكات. ولذلك فإن المصداقية تقتضي أن تميز اللجنة بين ما ثبت لديها، وما ترجح لديها، وما لم تتمكن من التحقق منه.
وهذا الدرس بالغ الأهمية في زمن تتسارع فيه المعلومات والصور ومقاطع الفيديو، وتختلط فيه الأدلة بالشائعات والروايات السياسية. فالبحث عن الحقيقة لا يحتمل التسرع في الإدانة، كما لا يحتمل التهاون في حفظ الأدلة أو تجاهل شهادات المتضررين.
الضحايا في قلب عملية البحث عن الحقيقة
من الإسهامات المهمة التي تبرز في عمل هاينر إعادة الاعتبار إلى الضحايا باعتبارهم أصحاب حق، لا مجرد مصادر للمعلومات.
فالضحية التي تتقدم للإدلاء بشهادتها لا تقدم للجنة مادة بحثية فحسب؛ إنها تتحدث عن تجربة إنسانية قد تكون تركت آثاراً عميقة في حياتها وأسرتها ومجتمعها. وقد تكون شهادتها أول اعتراف رسمي بما تعرضت له، بعد سنوات من الإنكار أو الخوف أو التجاهل.
غير أن الاستماع إلى الضحايا لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مشهد إعلامي أو مناسبة لاستدرار التعاطف. بل يحتاج إلى إجراءات تحمي الشهود من الانتقام، وتحفظ الخصوصية، وتراعي الآثار النفسية والاجتماعية للإدلاء بالشهادة، وتوفر بيئة آمنة للنساء والأطفال والناجين من العنف الجنسي وغيرهم من الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
كما أن مشاركة الضحايا لا ينبغي أن تنتهي بمجرد الاستماع إلى رواياتهم؛ بل يجب أن تمتد إلى معرفة نتائج التحقيقات، والاطلاع على التوصيات، والمشاركة في تحديد أولويات جبر الضرر، ومتابعة تنفيذ ما تقرره الدولة من تدابير للإنصاف.
وتبرز هنا أهمية أن تكون لجان الحقيقة حساسة للفوارق بين تجارب النساء والرجال، وأن تتجنب النظر إلى الانتهاكات من زاوية واحدة. فالنساء قد يتعرضن لأشكال من العنف والتمييز لا تظهر إذا اقتصر التحقيق على الوقائع العسكرية أو السياسية المباشرة. كما أن آثار الاختفاء القسري، مثلاً، لا تقع على الشخص المختفي وحده، بل تمتد إلى أسرته التي تعيش سنوات من الانتظار والقلق والحرمان من المعرفة.
وقد خصصت هاينر في كتابها مساحة لدراسة الحقيقة من منظور النوع الاجتماعي، ولعلاقة الحقيقة بالشفاء من آثار الماضي وجبر الضرر والمصالحة.
هل تؤدي الحقيقة إلى المصالحة تلقائياً؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر الأفكار التي تستحق التأمل في أعمال هاينر:
فقد شاع الاعتقاد بأن مجرد إنشاء لجنة للحقيقة، وإتاحة الفرصة للضحايا للحديث، وكشف الانتهاكات، سيقود بالضرورة إلى المصالحة الوطنية. لكن التجارب التي درستها هاينر تكشف أن هذه العلاقة ليست تلقائية ولا مضمونة.
قد يشعر بعض الضحايا بالارتياح لمجرد أن الدولة اعترفت بما تعرضوا له، وأن معاناتهم لم تعد موضع إنكار. وقد تساعد معرفة الحقيقة في استعادة الثقة بين المجتمعات، وفي فتح حوار طالما عرقلته المخاوف والانقسامات.
لكن آخرين قد يجدون أن الكشف عن الحقيقة أعاد فتح جراح لم تلتئم، خصوصاً إذا لم تتبعه محاسبة أو تعويض أو اعتراف رسمي أو إصلاح حقيقي للمؤسسات المسؤولة.
وقد تنتهي لجنة الحقيقة إلى تقرير غني بالمعلومات والتوصيات، ثم تتجاهل الحكومة تنفيذه، أو تتأخر في توفير التعويضات، أو تترك المؤسسات التي ارتكبت الانتهاكات من دون إصلاح. وفي مثل هذه الحالات، قد يتحول التقرير إلى وثيقة تاريخية مهمة، لكنه لا يحقق وحده العدالة التي انتظرها الضحايا.
لذلك فإن الحقيقة ليست مرادفاً للمصالحة، ولا تكفي وحدها لإزالة آثار العنف. إنها شرط مهم في كثير من مسارات المصالحة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على تحويل الاعتراف إلى إجراءات عملية.
وهنا تبرز قيمة التحليل النقدي لدى هاينر؛ فهي لا تتعامل مع المصالحة بوصفها نتيجة مضمونة للجنة الحقيقة، ولا تفترض أن الضحايا جميعاً يريدون الشيء نفسه أو أن لهم تجربة واحدة في التعامل مع الماضي.
الحقيقة والعدالة الجنائية: علاقة تكامل لا مقايضة
من الموضوعات التي أولتها هاينر اهتماماً خاصاً العلاقة بين لجان الحقيقة والعدالة الجنائية، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية.
وقد كان النقاش حول هذه العلاقة حاداً في عدد من التجارب: هل يؤدي كشف الحقيقة إلى إضعاف المحاكمات؟ وهل يمكن منح العفو لبعض مرتكبي الانتهاكات مقابل الاعتراف الكامل؟ وهل ينبغي للجنة الحقيقة أن تسمي المسؤولين عن الجرائم؟ وهل تستطيع أن تقدم ضمانات تحول دون ملاحقتهم قضائياً؟
هذه الأسئلة لا تحتمل إجابات عامة منفصلة عن القانون والسياق. فهناك فرق بين الاعتراف بالحقيقة، والعفو السياسي، والعفو القانوني، والإعفاء من المسؤولية الجنائية. كما أن الجرائم الدولية الأشد خطورة تخضع لالتزامات قانونية لا يجوز تجاهلها لمجرد أن اتفاقاً سياسياً قد تم التوصل إليه.
وقد أظهرت التجربة الجنوب أفريقية، على سبيل المثال، نموذجاً خاصاً ربط العفو في حالات محددة بالإفصاح الكامل عن الحقيقة، ضمن شروط وإجراءات منصوص عليها. لكن هذا النموذج لا يمكن تعميمه على جميع البلدان أو اعتباره قاعدة دولية تسمح بإعفاء مرتكبي الجرائم الجسيمة من المساءلة.
والأهم أن لجنة الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة بديلة، ولا أن تستخدم شهادات الضحايا لتبرير إغلاق المسارات القضائية. فالمحكمة ولجنة الحقيقة تؤديان وظيفتين مختلفتين، وقد يكون التكامل بينهما أكثر فائدة للمجتمع من وضعهما في مواجهة مصطنعة.
وقد خصصت هاينر في كتابها فصولاً مستقلة لمناقشة العلاقة بين الحقيقة والعدالة، وعلاقة لجان الحقيقة بالمحكمة الجنائية الدولية، ومسألة تسمية المسؤولين عن الانتهاكات.
كيف تُبنى لجنة حقيقة ذات مصداقية؟
لا تتوقف قيمة لجنة الحقيقة على الاسم الذي تحمله، ولا على مراسم إعلان تأسيسها، بل على طبيعة التفويض الذي تحصل عليه، واستقلالها، وصلاحياتها، ومواردها، وقدرتها على الوصول إلى المعلومات والشهود.
ومن خلال دراستها المقارنة، تبرز مجموعة من المسائل التي ينبغي لأي مجتمع أن يضعها في اعتباره عند التفكير في إنشاء لجنة للحقيقة.
أولها وضوح الولاية: ما الفترة الزمنية التي ستغطيها اللجنة؟ وما أنواع الانتهاكات التي ستبحث فيها؟ وهل ستتناول مسؤولية الأفراد والمؤسسات، أم تقتصر على جمع الشهادات؟
وثانيها الاستقلال: من يختار أعضاء اللجنة؟ وما الضمانات التي تمنع التدخل السياسي في أعمالها؟ وهل تستطيع الوصول إلى الوثائق الرسمية واستدعاء الشهود وفق القانون؟
وثالثها حماية الضحايا والشهود: هل توجد آليات فعالة لحماية هوياتهم وسلامتهم؟ وهل تتوافر خبرات في الدعم النفسي والاجتماعي، والتعامل مع الناجين من العنف الجنسي، والأطفال، والأشخاص الأكثر هشاشة؟
ورابعها المنهجية والتوثيق: كيف ستتحقق اللجنة من المعلومات؟ وكيف ستتعامل مع الأدلة المتعارضة؟ وكيف تحفظ الوثائق والأرشيف، وتضمن سلامة المعلومات وإمكانية الرجوع إليها مستقبلاً؟
أما المسألة الأخيرة، وربما الأهم، فهي مصير التقرير والتوصيات، فهل تلتزم الدولة بمناقشتها وتنفيذها؟ وهل توجد جهة مستقلة لمتابعة التنفيذ؟ وهل يستطيع الضحايا معرفة ما تم إنجازه وما تعثر، وأسباب ذلك؟
وقد تناولت هاينر هذه المسائل التشغيلية والمنهجية، بما يجعل كتابها مفيداً ليس للباحثين وحدهم، بل لكل من يشارك في تصميم لجان الحقيقة أو تقديم المشورة لها أو تقييم أعمالها.
تجارب العالم في مرآة هاينر
من أبرز ما يمنح أعمال هاينر قيمتها أنها لم تكتفِ بالتجربة الجنوب أفريقية، رغم أهميتها، بل قارنت بين نماذج متعددة، وأظهرت أن لجان الحقيقة تختلف باختلاف المجتمعات التي تنشأ فيها.
في الأرجنتين، أنشئت اللجنة الوطنية المعنية بالمختفين عام 1983، في أعقاب عودة الحكم المدني، للتحقيق في مصير لأشخاص الذين اختفوا خلال الحكم العسكري. وقد أسهم تقريرها الشهير “مانكا ماس” في توثيق جانب مهم من جرائم الاختفاء القسري، وأصبح مرجعاً بارزاً في مسار المساءلة اللاحق.
وفي تشيلي، أُنشئت اللجنة الوطنية للحقيقة والمصالحة عام 1990، وركزت على الانتهاكات التي أفضت إلى الوفاة أو الاختفاء، وأسهم تقريرها في الاعتراف الرسمي بمعاناة الضحايا وأسرهم.
أما في جنوب أفريقيا، فقد اتخذت لجنة الحقيقة والمصالحة منحى مختلفاً، من خلال جلسات الاستماع العلنية، وإتاحة المجال أمام الضحايا للإدلاء بشهاداتهم، وربط بعض طلبات العفو بالإفصاح الكامل عن الأفعال المرتكبة. وقد أثارت التجربة نقاشاً عالمياً حول حدود العفو وعلاقة الحقيقة بالمحاسبة والمصالحة.
وفي غواتيمالا، عملت لجنة التوضيح التاريخي على توثيق الانتهاكات التي وقعت خلال النزاع المسلح الداخلي، وكشف أنماط العنف التي استهدفت قطاعات واسعة من السكان، مع اهتمام خاص بأثر النزاع على المجتمعات الأصلية.
وفي سيراليون وتيمور الشرقية، ظهرت أشكال أخرى من لجان الحقيقة والمصالحة، ارتبطت بظروف ما بعد النزاعات المسلحة وبمحاولات الجمع بين الاعتراف بالضحايا، وتوثيق الانتهاكات، واستعادة التماسك الاجتماعي.
ولا تعني هذه التجارب أن جميع اللجان حققت الأهداف نفسها أو أن نتائجها كانت متساوية. بل إن المقارنة التي تقدمها هاينر تساعد على فهم الاختلافات في التفويض والصلاحيات والموارد والبيئة السياسية، كما تكشف أن إنشاء لجنة حقيقة ليس ضمانة تلقائية للنجاح.
وقد تناولت دراستها المقارنة هذه التجارب وغيرها، بما في ذلك لجان أنشئت في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وأظهرت تنوع النماذج الرسمية للبحث عن الحقيقة.
من البحث الأكاديمي إلى التأثير في الممارسة الدولية
لم يتوقف إسهام هاينر عند كتابها الأساسي؛ فقد كتبت أيضاً عن تطور لجان الحقيقة وأنماطها المختلفة، ومن أبرز أعمالها البحثية مقال “لجان الحقيقة: عرض تخطيطي” الذي تم نشره في المجلة الدولية للصليب الأحمر عام 2006 ، وترجمته:
(Truth Commissions: A Schematic Overview)
وفي هذا العمل قدمت عرضاً مقارناً لعدد من لجان الحقيقة، من حيث سنوات عملها، والفترات التاريخية التي تناولتها، والجهة التي أنشأتها، وطبيعة الانتهاكات التي بحثت فيها، وعدد المفوضين والعاملين، والقضايا التي تلقتها، والتقارير التي أصدرتها.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه يتيح للباحث أن ينظر إلى لجان الحقيقة باعتبارها مؤسسات قابلة للمقارنة والتقييم، لا مجرد تجارب سياسية منفصلة. كما أنه يساعد على إدراك أن اختلاف النتائج قد يرتبط باختلاف التفويض والموارد والاستقلال والظروف التي تعمل فيها اللجنة.
وهكذا أسهمت هاينر في نقل النقاش من السؤال العام: «هل نحتاج إلى لجنة حقيقة؟» إلى أسئلة أكثر دقة: أي نوع من اللجان نحتاج؟ وما صلاحياتها؟ وكيف نضمن استقلالها؟ وكيف نربط نتائجها بالمساءلة وجبر الضرر والإصلاح؟ وكيف نقيس أثرها على الضحايا والمجتمع؟
وهذا التحول من الفكرة العامة إلى أدوات التحليل والتصميم والتقييم يمثل واحداً من أهم إسهاماتها في حقل العدالة الانتقالية.
ماذا يمكن أن نتعلم من هاينر في السودان؟
حين ننقل هذه الأفكار إلى السودان، فإننا لا نتحدث عن موضوع أكاديمي بعيد عن واقع الناس، بل عن حاجة وطنية ملحة.
فالسودان يحمل إرثاً طويلاً من النزاعات والانتهاكات، من دارفور إلى جبال النوبة والنيل الأزرق ومناطق أخرى، فضلاً عن آثار الانقلابات والقمع السياسي والانتهاكات التي شهدتها البلاد في مراحل مختلفة. ثم جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتضيف فصولاً جديدة من المعاناة والنزوح والقتل والاختفاء والتدمير الواسع للحياة المدنية.
وفي هذا الواقع، يصبح السؤال عن الحقيقة سؤالاً يتعلق بمصير آلاف الأسر التي تبحث عن مفقوديها، وبالضحايا الذين يريدون معرفة من قتل ذويهم، وبالمجتمعات التي تعرضت للتهجير والتدمير، وبالنساء والناجين من العنف الجنسي، وبالأطفال الذين فقدوا أسرهم أو حُرموا من التعليم والأمان.
إن الحاجة إلى آلية وطنية مستقلة للبحث عن الحقيقة تبدو من المسائل التي تستحق نقاشاً جاداً ضمن مشروع العدالة الانتقالية السوداني. لكن إنشاء مثل هذه الآلية ينبغي ألا يكون مجرد قرار سياسي أو إعلان مؤسسي؛ بل يجب أن يستند إلى مشاورات واسعة، ومشاركة حقيقية للضحايا، وضمانات للاستقلال، وتفويض واضح، وقدرة على الوصول إلى المعلومات والأرشيفات، وآليات لحماية الشهود.
كما ينبغي ألا تُختزل الحقيقة في فترة الحرب الحالية وحدها، مهما كانت أولوية الانتهاكات التي وقعت خلالها. فالمعالجة الجادة تحتاج إلى النظر في الجذور التاريخية والمؤسسية للنزاعات، مع تحديد نطاق زمني وموضوعي واضح، حتى لا تتحول المهمة إلى مشروع مفتوح بلا حدود أو نتائج قابلة للتحقيق.
ومن المهم أيضاً أن تتكامل لجنة الحقيقة المقترحة مع التحقيقات الجنائية الوطنية والدولية، ومع برامج جبر الضرر وإصلاح المؤسسات، وأن تكون توصياتها مرتبطة بآليات تنفيذ ومتابعة ومساءلة.
وهنا يقدم لنا عمل هاينر درساً بالغ الأهمية: لا قيمة لحقيقة تُعلن ثم تُترك بلا أثر، ولا معنى للاستماع إلى الضحايا إذا لم تتبع ذلك إجراءات تعترف بحقوقهم وتعمل على إنصافهم.
فالسودان لا يحتاج إلى لجنة تستمع إلى الناس ثم تحفظ شهاداتهم في الأرشيف فحسب؛ بل يحتاج إلى مسار وطني يحول المعرفة إلى اعتراف، والاعتراف إلى إنصاف، والإنصاف إلى إصلاح يضمن ألا تتكرر المأساة.
الحقيقة ذاكرة الأمة وشرط مستقبلها
إن القيمة الكبرى في تجربة بريسيلا هاينر أنها أعادت وضع الحقيقة في قلب العدالة الانتقالية، وأظهرت أن التعامل مع إرث الانتهاكات لا يقتصر على تحديد المسؤولين ومعاقبتهم، بل يتطلب أيضاً أن يعرف المجتمع ما حدث، وأن يسمع أصوات ضحاياه، وأن يحفظ ذاكرته، وأن يواجه الأسباب التي سمحت بوقوع الجرائم.
لكن الحقيقة، كما تكشف دراساتها، ليست عصاً سحرية تنهي النزاعات أو تضمن المصالحة. فقد تكشف اللجان وقائع مؤلمة، وقد تواجه مقاومة سياسية، وقد تصدر تقارير لا تجد طريقها إلى التنفيذ. ولذلك فإن قيمتها الحقيقية تتوقف على ما إذا كانت الدولة والمجتمع مستعدين لتحويل نتائجها إلى التزامات وممارسات ومؤسسات.
ولعل أبلغ ما يمكن أن نخرج به من هذا المسار أن الأمم لا تستعيد عافيتها بإنكار جراحها، ولا تبني مستقبلها بإسكات ضحاياها. فالحقيقة ليست ترفاً فكرياً، بل حق للضحايا، وواجب على الدولة، وركيزة من ركائز بناء السلام المستدام.
وإذا كان نيل كريتز قد ساعدنا على فهم كيف تواجه الديمقراطيات الناشئة إرث الأنظمة السابقة، فإن بريسيلا هاينر تقودنا إلى فهم أعمق لكيفية استعادة الحقيقة من بين ركام الصمت والإنكار. وبين هذين الإسهامين تتضح صورة العدالة الانتقالية باعتبارها مشروعاً متكاملاً لا يكتفي بالعقوبة، ولا يقف عند الاعتراف، بل يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة على أساس الكرامة والحقوق والمسؤولية.
وفي المقال المقبل، ننتقل إلى شخصية فكرية أخرى أسهمت في تطوير هذا الحقل، هي الباحث والفيلسوف السياسي بابلو دي غريف، الذي ارتبط اسمه بدراسة جبر الضرر، وتصميم سياسات العدالة الانتقالية، وقياس أثرها على الضحايا والمجتمعات.
وسنحاول أن نكتشف كيف انتقل النقاش من سؤال: كيف نعرف الحقيقة؟ إلى سؤال لا يقل أهمية: كيف نُعيد للضحايا حقوقهم وكرامتهم، وكيف يتحول الاعتراف بالانتهاك إلى إنصاف فعلي؟
الى اللقاء في المقال الخامس من السلسلة بإذن الله