السبت, أكتوبر 31, 2026

سودانا _ تقارير

أعاد تحقيق استقصائي نشرته شبكة يورونيوز فتح ملف الاتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب السودانية، مستنداً إلى دراسة ميدانية من 32 صفحة أعدها فريق يضم خبراء سابقين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وإلى مقابلات مع ثمانية سودانيين في نيروبي، فضلاً عن صور ومواد رقمية ووثائق مرتبطة بعدد من الحوادث.

وتتركز الدراسة بصورة خاصة على حادثة وقعت في محيط مصفاة الجيلي في سبتمبر/أيلول 2024، حيث تحدث شهود عن نشاط جوي عسكري أعقبه سقوط أجسام غير معتادة وانبعاثات وروائح أثارت الشكوك، قبل أن تظهر على نحو 20 عاملاً أعراض تنفسية وعينية حادة إلى جانب تغيرات ملحوظة في الغطاء النباتي قرب المنطقة المتأثرة.

ولا تحدد الدراسة بصورة قاطعة المادة التي ربما تعرض لها الأشخاص، كما لا تقدم بمفردها دليلاً نهائياً على استخدام سلاح كيميائي أو تحدد الجهة المسؤولة عنه. لكن معدّيها وفق يورونيوز، يرون أن تزامن النشاط الجوي مع الأعراض الصحية والآثار البيئية يمثل مجموعة من المؤشرات التي تستحق تحقيقاً رسمياً متخصصاً.

وتكتسب حادثة الجيلي أهمية إضافية بسبب الموقع الاستراتيجي للمصفاة خلال الحرب، وسيطرة القوات المسلحة عليها. وكانت تحقيقات دولية سابقة بينها تحقيق نشرته صحيفة واشنطن بوست، قد تناولت مزاعم بشأن مواد كيميائية ومركبات كلورية مرتبطة بالعمليات العسكرية في المنطقة.

ويضيف تحقيق يورونيوز إلى ذلك شهادات ميدانية مباشرة وأدلة رقمية، فيما تمنح الخلفية المهنية لبعض معدّي الدراسة ثقلاً تقنياً للبحث، خصوصاً أن عدداً منهم سبق أن عمل في مجال التحقق من الأسلحة الكيميائية داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

وتناول التحقيق أيضاً حوادث أخرى في مناطق مختلفة، قال شهود إنها أعقبت في بعض الحالات ضربات جوية وترافقت مع أعراض مثل السعال وصعوبة التنفس وتهيج العينين والجلد، إضافة إلى إفادات عن روائح غير مألوفة وانبعاثات ملونة. غير أن هذه الأعراض في غياب عينات مخبرية أو فحوص ميدانية حاسمة لا تكفي وحدها لإثبات استخدام مادة كيميائية محظورة.

وتضع هذه القيود أهمية خاصة أمام أي تحقيق دولي مستقل محتمل. فإثبات تعرض أشخاص لمادة خطرة يختلف قانونياً وعلمياً عن تحديد طبيعة المادة ثم إثبات أنها استخدمت كسلاح محظور، وأخيراً تحديد الجهة التي أمرت باستخدامها أو نفذته.

وهذه الفجوة هي تحديداً ما يمكن أن تسده منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إذا تمكنت من الوصول إلى مواقع الحوادث والحصول على عينات وبقايا ذخائر وسجلات طبية ومواد رقمية قابلة للتحقق. كما يمكن للتحقيق المتخصص مقارنة الأدلة الميدانية بسجلات العمليات العسكرية والمعلومات المتاحة عن الوحدات والوسائل المستخدمة في المناطق التي وقعت فيها الحوادث.

ويأتي تحقيق يورونيوز في وقت تتراكم فيه تقارير دولية وإعلامية حول مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في السودان. وإلى جانب واشنطن بوست تناولت وسائل إعلام دولية أخرى، من بينها نيويورك تايمز ولوموند مزاعم تتعلق بمواد كيميائية وذخائر مرتبطة بالكلور خلال الحرب.

لكن أهمية الأدلة الجديدة لا تكمن في أنها تحسم القضية بمفردها، بل في قدرتها على إضافة شهادات وأدلة ميدانية إلى ملف كان يعتمد بدرجات متفاوتة على الوثائق والصور والتحليل الرقمي.

وإذا ثبت في تحقيق مستقل أن الكلور أو مادة كيميائية محظورة استخدمت عمداً لإيذاء أشخاص في سياق النزاع، فإن الأمر لن يكون مجرد انتهاك لقواعد الحرب، بل خرقاً لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي تحظر تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وحيازتها واستخدامها.

كما سيطرح إثبات الاستخدام سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بالمسؤولية: من وفر المادة أو الذخيرة؟ ومن أصدر الأمر؟ ومن كان يعلم بعملية الاستخدام أو أشرف عليها، وهي أسئلة لا يمكن حسمها من خلال شهادات الضحايا وحدها وإنما تحتاج إلى تحقيق جنائي وفني واسع يتتبع سلسلة القرار والقيادة.

ولهذا تبدو دعوة الخبراء السابقين في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى إجراء تحقيق رسمي أكثر من مجرد توصية تقنية. إنها محاولة لنقل القضية من مساحة الاتهامات المتبادلة إلى مساحة يمكن فيها اختبار الأدلة وفق معايير علمية وقانونية مستقلة.

وفي حرب باتت فيها الحقائق نفسها ساحة للصراع قد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً ليس ما إذا كانت الاتهامات السياسية ستستمر، بل ما إذا كان المجتمع الدولي مستعداً لإرسال محققين قادرين على الوصول إلى المواقع والأدلة قبل أن تختفي آثارها.

فالأسلحة الكيميائية، إن ثبت استخدامها لا تترك قضية سياسية فحسب؛ إنها تترك مسؤولية جنائية. وحسم هذه المسؤولية يحتاج إلى أكثر من روايات متعارضة: يحتاج إلى أدلة يمكن فحصها ومواقع يمكن الوصول إليها ومتهمين يمكن مساءلتهم.