ما بين (ود أمونة) و(امرأة من كمبو كديس)

كتب/ د. إشراقة مصطفى حامد
في البدء اود أن أثبت أن الأدب لا ينفصل عن الموقف السياسي والاخلاقي وهو مسؤولية جسيمة تجاه من تم منحهن ومنحهم صوتا في الروايات. اذ لا يمكن أن يتم استغلالهم في الواقع وفي الواقع المتخيل. الانحياز للمقهورين موقف سياسي ويتجلي في وعينا حين نكتب.
أنطلق ايضا ضد فكرة (تحرير النص من سلطة مؤلفه تماما) وأميل هنا إلى مقاربة فوكو، الذي بحث في وظيفة المؤلف داخل الثقافة ومؤسساتها، وكيف يُستخدم اسمه في تصنيف الخطابات وتنظيمها وإضفاء سلطة معينة عليها. فالنقد كما الكتابة ليس موقفاً جمالياً محايداً، انما موقف سياسي أيضاً، لأنه ينطوي على مساءلة علاقات السلطة، وتفكيك أشكال الهيمنة والتقديس داخل الثقافة. ومن هذا المنطلق، لا قداسة لكاتب أو كاتبة، ولا حصانة لأي نص من المساءلة والنقد.
أطلعت على أغلب روايات الروائي عبدالعزيز بركة ساكن حتى (المصنوع منها) واتفق ان نقد رواياته ينبغي ان يتم بادوات النقد الأدبي ولكن هل ينفصل ذلك عن بينة الوعي السياسي؟ هل تحرر هذه الادوات النقدية مسؤولية الكاتب/ الكاتبة من مسؤليته تجاه ما يكتب؟
روايات نالت مكانتها من أصوات هامشها مثل (الجنغو مسامير الارض) او مجموعات قصصية مثل (امرأة من كمبو كديس). التي هتفت في الواقع المتّخيل حين صمت ذات الروائي عن إدانة ما حدث في كنابي الجزيرة وهو بالتأكيد له مطلق الحرية في ان ينحاز لكمبو كديس او ود أمونة الذي بنى شخصيته بدقة ساحرة، جعلته الوحيد المنتصر وهنا لا يعنيني الشخصي وانما المساءلة حول منتوجه الادبي الذي ناهض بنيات السلطة. إن أي قيمة فنية أو جمالية لا معنى لها أن إنفصلت عن مواقفنا المبدئية من السلطة، ومن الحرب، ومن الدكتاتوريات؛ فكتابة النصوص ليست فعلًا معزولًا عن العالم، ولا ممارسة جمالية تتيح لنا تبديل أقنعتنا بحسب السياقات، هي أيضاً تعبير عن التزامنا السياسي، وعن اختياراتنا ومواقفنا مما يحدث حولنا. هنا أطرح عدة أسئلة تتجاوز الروائي بركة ساكن الى غيره من (الكاتبات) و (والكُتاب)،(المثقفات) و(المثقفين)، اسئلة تعري المساحة بين الإتساق وإنفصام الموقف. لا اؤمن بان ننتقد الكاتبة/الكاتب بعيدا عن وعيه ومواقفه.
ماذا يعني أن تكتب عن المقهورات و المقهورين، ثم تجلس إلى مائدة جلاديهم؟ قد تكون هناك إجابات حول السعي لتحقيق السلام وهنا اتساءل (الحوار السوداني- السوداني)، من هم المعنين والمعنيات؟ السلام شرطه العدالة الانتقاليه وأن نقرأ التاريخ بصوت ذات المقهورين في عوالهم الحقيقية وليست الافتراضية التي تعكس قهرهم بجماليات تقلل من حدة ألم من يقرأ وتلسع وعيه.
لاي انسان الحق في أن يعبر عن رؤيته وأن يسعى لتحقيق السلام كهدف نبيل ولكن وفق أي شروط؟ وذات المقهورين مازالوا يعانون من الحرب وآثارها؟ منذ موسى هلال وخلفائه، ومنذ صرخت نساء الكنابي في الجزيرة ينادن تلك (المرأة من كمبو كديس) ويظل السؤال: هل يكفي أن تمنح الضحية صوتاً في الروايات او المقالات، وتتخلى عنهم وانت مع الحرب ضدهم؟ وكيف نبرر الصمت او التبرير حين تُقهر أمامك من قهرهم؟ اليست هي ذات بنية السلطة التي حكمت السودان بالحديد والنار ثلاثين عاما؟ الم يكن (حميدتي حمايتي)، مع من يكون الآن الحوار السوداني –السوداني؟ الحرب اشتعلت بسبب اختلاف المصالح وشهوة السلطة، لم تكن من طرف واحد بل بين طرفين، احدهما وليد للآخر، فهل يجلس الروائي بركة ساكن كنموذج مع (الجنجويد) بهدف الوصول لسلام عادل؟
هل يمكن أن يكون هناك سلاما عادلاً بعيداً عن مواجع المهمشين/ات بدلا من أن تكون مواجعهم مادة أدبية مؤثرة حد البكاء حين يتحول إلى كتاب، هل يفقد الكتاب معناه حين يتخلخل الموقف الأخلاقي تجاه من تبنينا قضاياهم؟
هل الكتابة عن العدالة موقف، أم أن الموقف يبدأ حين تصبح العدالة شرط، شرط للسلام الذي نسعى اليه؟ هل (يخون) الكاتب شخوصه حين يتخلى عنهم خارج الورق؟
هل هناك مسافة بين القيمة الفنية والموقف السياسي المختلف؟ المسافة يحددها الاتساق، وليس الانفصام، ان نكتب ما يمجد السلام ثم نقف في جانب الحرب؟ معيار المسافة لا يمكن ان افصلها بين ان يكون الكاتبة/الكاتب ثورياً في لغته ومهادناً في حياته ثم نحاول ان نجد المبرر بأن نقدنا لموقفهم حين ينحازون لسلطة الحرب ينبغي ان لا يشمل منجزهم الأدبي؟ ماقيمة هذا المنجز اذا لم يساهم في اضاءة ماعتم في وعينا ويشذب مواقفنا نحو الاتساق؟ بدلا عن الهروب عن التنصل من مسؤوليتنا تجاه مواقفنا التي نتخذها.
لايمكن ان نتحدث عن الأعمال الروائية بعيداً عن كاتبها. وتبرئته من مواقفه السياسية التي تجلت في الروايات عكس الموقف السياسي المنحاز للحرب ومن أول يوم والاصطفاف مع الجيش ضد الحنجويد و الكاتب نفسه مازال يكتب ( العسكر للثكنات والجنجويد ينحل)، اليس هي ذات المنظومة التي صادرت الكتب وقهرت حرية الرأي؟
انحاز الروائي بركة ساكن، في الواقع، إلى صوت (ود أمونة)، وخذل تلك المرأة القادمة من (كمبو كديس). وهنا تتبدّى مفارقة الكتابة ومساءلتها: ماذا يعني أن نكتب عن المهمّشين والمقهورين، ثم نعجز عن الإنصات إليهم حين يغادرون صفحات الرواية ويصبحون أمامنا في الواقع؟ وأي جدوى من استحضار أصواتهم أدبياً إذا لم نكن مستعدين للإصغاء إليها والانحياز إلى حق أصحابها؟ أولئك الذين اختلط حبر الكتابة عنهم بدمهم، وبآهاتهم ومواجعهم.
@highlight
مونترشيه، 31 أكتوبر 2026
———
حقوق الصورتين محفوظة.