سودانا _ تقارير
لم تعد الحرب في السودان تدمر المدارس وتحرم ملايين الأطفال من مقاعد الدراسة فحسب، بل باتت تهدد مستقبل جيل كامل مع انهيار التعليم الحكومي وتدهور أوضاع المعلمين. وفي بلد كان التعليم فيه يعاني ضعف التمويل واختلال السياسات قبل الحرب، تبدو الأزمة اليوم أبعد من مجرد توقف الدراسة وأقرب إلى تفكيك أحد أهم مقومات بناء المجتمع.
وتكشف تقديرات المنظمات الدولية عن حجم الكارثة. فقد حذرت الأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 من خروج نحو 19 مليون طفل من المدارس، بينهم سبعة ملايين كانوا محرومين من التعليم قبل الحرب. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، قدرت اليونيسيف عدد الأطفال خارج مقاعد الدراسة بنحو 17 مليوناً مع إغلاق 90 في المئة من المدارس في غالبية الولايات.

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، قالت منظمة «أنقذوا الأطفال» إن ملايين الأطفال فقدوا نحو 500 يوم من التعليم، بينما تجاوز عدد غير الملتحقين بالمدارس ثمانية ملايين طفل. أما الشراكة العالمية من أجل التعليم فأشارت في فبراير (شباط) إلى أن المدارس في دارفور لم يعد مفتوحاً منها سوى ثلاثة في المئة.
لكن خلف هذه الأرقام أزمة أقل ظهوراً تتمثل في انهيار أوضاع المعلمين أنفسهم. إذ يقول المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، إن الحرب دفعت مئات المعلمين إلى مغادرة المهنة والبحث عن أعمال هامشية بعدما فقدوا مصادر دخلهم، فيما لا يزال نحو 350 معلماً وإدارياً يواجهون مصيراً مجهولاً بسبب توقف رواتبهم.
ويضيف أن أكثر من نصف المعلمين لم يحصلوا على مستحقاتهم بصورة منتظمة، وأن ما يتلقاه بعضهم لا يغطي سوى نحو ثلاثة في المئة من احتياجات أسرهم الشهرية في ظل التضخم وتآكل قيمة العملة. ويرى أن تعثر تنفيذ القرارات الحكومية المتعلقة بالأجور يكشف خللاً في إدارة القطاع، محذراً من أن استمرار الأزمة سيقوض ما تبقى من المدارس الحكومية.
وتطالب اللجنة برفع الحد الأدنى للأجور وصرف المتأخرات، وتخصيص 20 في المئة من الموازنة العامة للتعليم، وإعادة تأهيل المدارس وضمان مجانية التعليم وانتظام المرتبات. وتحذر من أن استمرار تراجع التعليم الحكومي سيحول التعليم الجيد تدريجياً إلى امتياز للأسر القادرة على تحمل تكاليف المدارس الخاصة، بدلاً من كونه حقاً متاحاً لجميع الأطفال.
غير أن الأزمة بحسب الباحثة التربوية علوية الشريف، سبقت الحرب بسنوات نتيجة ضعف الإنفاق الحكومي الذي لم يتجاوز اثنين في المئة من الموازنة، وفق تقديرها. وتقول إن الحرب سرعت انهيار قطاع ظل خارج أولويات الدولة وأدت إلى توقف الدراسة في مناطق واسعة حتى تلك التي لم تشهد معارك مباشرة، بعدما تحولت مدارس إلى مراكز لإيواء النازحين.
وتحذر الشريف من أن تراكم ثلاث دفعات متتالية في الصف الأول الابتدائي إلى جانب انقطاع ملايين الأطفال عن الدراسة، ينذر باتساع الأمية، خصوصاً مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وتعذر توفير بيئة تعليمية آمنة فضلاً عن الإضرابات المرتبطة بتوقف رواتب المعلمين.
ولا تقف التداعيات عند حدود الانهيار الخدمي، إذ بدأت الحرب تترك آثارها على وحدة النظام التعليمي نفسه. ويقول الناشط المجتمعي أيوب عبداللطيف إن السودان شهد صدور نتيجتين لامتحانات الشهادة السودانية، إحداهما تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، والأخرى في مناطق نفوذ قوات الدعم السريع، معتبراً أن هذا التطور يعكس انقساماً يتجاوز المؤسسات إلى المناهج والشهادات والهوية التعليمية.
ويحذر عبداللطيف من أن استمرار هذا المسار قد يكرس واقعاً تعليمياً منفصلاً بين مناطق البلاد، بالتزامن مع اتساع الفجوة الطبقية بين أسر تستطيع تحمل تكاليف التعليم الخاص وأخرى تُترك لمواجهة الحرمان.
ويدعو إلى حلول تراعي ظروف الحرب والنزوح، تشمل استخدام المراكز المجتمعية والمباني العامة الآمنة، وإنشاء فصول منخفضة التكلفة ومتابعة الأطفال في مراكز الإيواء إلى جانب معالجة أوضاع المعلمين باعتبارها شرطاً أساسياً لأي عملية إنقاذ.
وتكشف هذه الشهادات أن أزمة التعليم السوداني ليست مجرد مدارس مغلقة أو امتحانات مؤجلة، بل انهيار متشابك يبدأ من معلم عاجز عن إعالة أسرته ويمر بطفل يفقد سنواته الدراسية وينتهي بنظام تعليمي مهدد بالانقسام والتفاوت الاجتماعي.
وفيما قد تتوقف الحرب يوماً، فإن آثار حرمان جيل كامل من التعليم لن تنتهي بإعلان وقف إطلاق النار. فإعادة بناء المدارس وحدها لن تعيد ما فقده الأطفال، ما لم تستعد الدولة مسؤوليتها عن التعليم، وتضمن تمويله وحماية مؤسساته وإنصاف معلميه.
إن الخطر الأكبر ليس فقط أن السودان يخسر مدارسَه في الحرب، بل أن يخسر جيلاً لن يكون من السهل استعادة سنواته الضائعة.
المصدر اندبندنت عربية

