سودانا _ تقارير
لم يرتبط الجوع في السودان بنقص الغذاء وحده، يرتبط أيضاً بنتيجة انهيار القدرة الشرائية وتعطل طرق الإمداد وتراجع الإنتاج الزراعي، وفقدان مصادر الدخل. ومن مناطق تنفد منها السلع إلى أخرى يعجز سكانها عن الدفع تتسع الأزمة.
وفي تقرير صدر في 14 مايو الماضي، حددت هيئة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في ولايات دارفور وكردفان معرضة لخطر المجاعة في ظل سيناريو يتضمن تصاعد القتال وتشديد القيود على وصول المساعدات وحركة السلع والأفراد.

في 14 سبتمبر قال المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، إن نحو 20 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، و14 مليوناً نزحوا من منازلهم، فيما يواجه نحو خمسة ملايين شخص مستويات الطوارئ من انعدام الأمن الغذائي، ويظل قرابة 200 ألف شخص في المرحلة الخامسة التي تنطوي على خطر الموت جوعاً.
وتكشف الشهادات من مناطق مختلفة أن الأزمة تتخذ أشكالاً متباينة، لكنها تنتهي إلى نتيجة تراجع قدرة الأسر على تأمين غذائها، سواء بسبب انقطاع الإمدادات أو ارتفاع الأسعار إلى مستويات تفوق مواردها.
في المالحة بولاية شمال دارفور يتجاوز الوضع غلاء الأسعار إلى انقطاع السلع وصعوبة مغادرة المنطقة. ويواجه أكثر من 200 ألف شخص، وفق تقديرات محلية أوردها التقرير، ظروفاً معيشية قاسية في ظل تعطل الأسواق.
ويقول أحمد عبد الكريم أحد سكان المالحة، لـ«العربي الجديد»، إن إدخال المواد الغذائية أصبح بالغ الصعوبة بسبب عمليات السطو على المركبات المحملة بالبضائع، وان السكان اعتمدوا على المخزون المتاح حتى نفد.
أما التاجر ساري حماد، فيقول إن سعر جوال الذرة الذي يشكل غذاء رئيسي لكثير من السكان، بلغ ما يعادل نحو 400 دولار أميركي وهو مبلغ يتجاوز قدرتهم الشرائية، خصوصاً مع تراجع الإنتاج الزراعي بسبب شح الأمطار.
وفي ولاية النيل الأبيض تبدو المشكلة مختلفة؛ فالسلع متاحة في بعض الأسواق، لكن كثيراً من الأسر لا تملك ثمنها. ويقول الجيلاني، وهو معلم متقاعد طلب عدم الكشف عن هويته الكاملة، لـ«العربي الجديد»، إن الحرب استنزفت مدخراته حتى بات عاجزاً عن شراء احتياجات أسرته الغذائية.
وتقول فاطمة عبد الله التي نزحت من مدينة بارا بولاية شمال كردفان إلى كوستي، إن أسراً كثيرة باتت تكتفي بوجبة واحدة يومياً. وتضيف الأم لأربعة أطفال أن سعر قطعتين من الخبز بلغ ألف جنيه سوداني وفق إفادتها، في ظل انعدام مصادر الدخل ونفاد المدخرات.
وتوضح الحالتان الفارق بين انعدام الغذاء وانعدام القدرة على شرائه. ففي المالحة، تعرقل المخاطر الأمنية وصول السلع، بينما يواجه سكان النيل الأبيض أزمة تتصل أساساً بتآكل الدخول والمدخرات. وفي الحالتين يتراجع الغذاء المتاح للأسر لكن عبر مسارين مختلفين تتداخل فيهما آثار الحرب والاقتصاد.
وفي ولاية النيل الأزرق، قال مسؤول حكومي طلب عدم الكشف عن هويته لـ«العربي الجديد» إن أكثر من 370 ألف نازح يواجهون نقصاً في الغذاء والمساعدات مع محدودية فرص العمل وارتفاع الأسعار، بالتزامن مع استمرار المعارك بين الجيش وقوات تحالف السودان التأسيسي.
وفي إقليم كردفان، يزيد شح الأمطار وتراجع الإنتاج الزراعي من الضغوط الناجمة عن القتال. ويقول الطيب علي من مدينة أم روابة إن السكان باتوا عاجزين عن تأمين احتياجاتهم اليومية في مناطق يعتمد سكانها على الزراعة والرعي.
أما في الأبيض، فتتداخل احتياجات النازحين مع ضغوط السكان المقيمين. ووفق إحصائية أوردها التقرير، تستضيف المدينة عدد كبير من النازحين، بينما لا تصل المساعدات إلا إلى عدد محدود منهم.
ولا تقتصر آثار تراجع الإنتاج الزراعي على نقص المحاصيل، بل تمتد إلى دخول الأسر التي تعتمد على الزراعة والرعي فتضعف قدرتها على شراء الغذاء من الأسواق. ومع تعطل التجارة والنزوح وفقدان الوظائف، تتشابك الضغوط الأمنية والمناخية والاقتصادية لتجعل الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد نقص في الإمدادات.
وتواجه المنظمات الإنسانية بدورها صعوبات متزايدة في تلبية الاحتياجات. ففي 14 سبتمبر حذرت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب من أن النظام الإنساني في السودان قد ينهار خلال أسابيع إذا لم يتوفر تمويل جديد.
وأفادت المنظمة في اليوم نفسه بوجود 8.6 ملايين نازح داخلياً، يعيش نحو 70% منهم لدى أسر مضيفة أو في مخيمات غير رسمية، مشيرة إلى تقلص نطاق تغطية نظام الإمداد الإنساني المشترك. وحتى منتصف سبتمبر كانت المنظمة قد قدمت خدمات الإيواء ومستلزمات الدعم الطارئ لنحو 330 ألف شخص خلال العام.
وتكشف الأزمة عن فجوة متزايدة بين الاحتياجات والموارد المتاحة، في وقت تجعل فيه المخاطر الأمنية صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة أكثر حدة. كما أن توزيع الغذاء على أهميته لا يعوض فقدان مصادر الدخل أو تعطل الزراعة والتجارة، وهي عوامل تدفع الأسر إلى الاعتماد المستمر على المساعدات.
في السودان يتجاوز التحدي توفير الغذاء إلى استعادة الظروف التي تتيح للناس الوصول إليه من طرق آمنة لنقل السلع وأسواق قادرة على العمل، وإنتاج زراعي يدعم المعروض والدخل وفرص عمل تمكّن الأسر من الشراء. ومع استمرار الحرب وتراجع التمويل الإنساني يجد ملايين السودانيين أنفسهم بين أسواق تنقطع عنها الإمدادات وأخرى لا يملكون أسعارها.
المصدر العربي الجديد

